الشاعر الأديب علي الدميني يكتب عن أمه (صالحة بنت حنش) وعن الفقر الذي عاشه الناس في الباحة؛ فكيف لو عاش الفقر الأشد فتكًا في نجد قبل أن يتم استخراج الخير من باطن الأرض ؟؟!! يقول علي الدميني: (الفقر والجوع والخوف والذئب؛ وأُمَّان تُدافعان عن صغارهما بشراسة؛ رغم العناء والآلام؛ يا للمعنى العميق للأمومة، ومحبة الحياة؛ لقد كانت حياتنا صعبةً حتى حدود الشراسة؛ نعيش على الكفاف قُرْب خط الفقر؛ حيث لا يأتي موسم الحصاد إلا وقد قضينا خلال عام على كل أكياس الحنطة التي حصدناها في الموسم الماضي؛ فتقوم الأُمَّهات بتجفيف سنابل القمح الناضجة في الشمس أو على النار، ثم يَعْمدن إلى طحنها في الرحى الحجرية مساءً ثم يقمن بالعجن وإنضاج الخبز على نيران الحطب التي كُنَّ قد جلبن أعوادها الكبيرة من أطراف الجبال البعيدة في المشرق؛ مثلما كُنَّ ينزعن الماء من الآبار في الوديان البعيدة؛ ويملأن القِرَب المصنوعة من جلود الماعز، ثم يحملنها على ظهورهن؛ صاعدات الجبال العالية حتى بيوتهن؛ مرتين أو ثلاثًا يوميًّا؛ لإرواء العائلة وتلبية حاجاتهم اليومية؛ إن هذه هي الوتيرة المتكررة للحياة القاسية؛ عاشتْه الجداتُ منذ مئات السنين من قبل؛ مثلما مرَّت من جحيمه أمي وكل نساء منطقتنا؛ كانت أمي تغسل ثيابنا القليلة باستخدام أوراق العثرب. وأتذكَّر أنها ذات عيد لم تجد ما تشتري به قماشًا لي لثوب العيد؛ فغسَلَتْ حوكتها التي كانت تتلفَّع بها على صدرها؛ وفصَّلَتْها لي ثوبًا خاطته بالإبرة بنفسها؛ ومع كل ذلك لم نكن نشعر بشظف العيش ولا بالشقاء الذي نعيشه؛ لأن كل سكان القرى في تلك المرحلة كانوا يعيشون مثلنا تمامًا؛ فحيث يكون العدل مساويًا في الوجع والفقر؛ فلا عتب، ولا غضب، ولا أحزان) هكذا كانت قسوة الحياة في الباحة؛ في جبال السروات؛ رغم أن المطر لا ينقطع عنها؛ فهي مكتظة بالخضرة والنماء والأجواء الشاعرية المطيرة؛ فكيف لو عاش في صحراء نجد القاحلة المعادية للحياة؛ فماذا سيقول ؟؟!! أما الدكتور خالد الرديعان فيكتب عن أمه (سلمى) التي تزوجت وهي طفلة في الخامسة عشرة؛ ثم طُلِّقَتْ حين بلغت الثامنة عشرة؛ لقد عانت هذه الأم ظلمًا فادحًا؛ بتزويجها وهي طفلة، ثم عانت ظلمًا بسبب التقاليد؛ حيث طُلِّقَت ليس لأي شيء إلا لتأخرها في الانجاب ثلاث سنوات؛ وهي المدة اللازمة لكي تُنهي مرحلة الطفولة؛ لتصل إلى مرحلة البلوغ؛ وهكذا تفعل التقاليد العمياء الجائرة. لكن قد يُعَوِّض (سلمى) أنها أنجبت خالد الذي كتب يقول: (فكل أم تستحق الثناء والإطراء؛ إذْ يكفي أنها أُمٌّ؛ سأمرُّ على بعض المراحل المفصلية في حياة أمي، والمواقف المؤلمة التي واجهتها، ثم ظروف الزواج والطلاق وفراق الأبناء، والنشأة في مجتمع ذكوري يشيع فيه نكران حقوق المرأة) ويقول: (أمي عاشت حياةً مضطربة وغير مستقرة؛ فهي لم تذهب إلى المدرسة إطلاقا، وتزوجت ثلاث مرات من أزواج مختلفي الطباع) إن حالةَ الأم سلمى نموذجٌ من معاناة ومكابدة الكثير من الأمهات؛ إن ما يضمه كتاب (سيرة الأمهات) لا يمثل سوى عدد محدود من الأمهات ومع قلة العدد فإننا نطلع على نماذج متنوعة من سوء الحظ، وتواتُر النكد، والتعرض للظلم؛ فكيف لو امتد الاستقصاء إلى كل الأمهات ؟! إن في سِيَر الأمهات الكثير من قصص الظلم والإساءة والغبن والمكابدة، والمعاناة، وسوء الحظ، بمقدار ما فيها من النصاعة والوفاء والإخلاص والإيثار والتضحية كما أن هذه القصص تحكي الكثير عن عادات المجتمع وتقاليده وتصوراته عن الحياة؛ وبالنسبة لسلمى فإن سوء الحظ بدأ مع الزوج الأول؛ فقد تأخرت في الانجاب فاشتط أهل الزوج بأن يطلقها ويبحث عن زوجة تنجب له أولادًا؛ وبذلك صارت مطلَّقةً وهي في الثامنة عشرة من عمرها، أي أن حظها قد تعثَّر مبكرًا لأسبابٍ خارجة عن مسؤوليتها. ثم تزوَّجها أبو خالد الذي كان أيضا عنده مشكلة إنجابية؛ فهو متزوجٌ قبلها وسعيدٌ بزواجه لكن زوجته تُواصِل إنجاب بنات وهو يريد بنين؛ فزواجه بسلمى كان لهدفٍ آخر وهو الحصول منها على أبناء؛ فخلال سنتين أنجبت خالدًا وصارت حبلى بابن آخر؛ وبذلك أدَّتْ الغرض؛ فتم الاستغناء عنها؛ فهي مجرد وسيلة إنجاب !!! هكذا يُظلم النساء، وتُدَمَّر حياتهن، إن الإشكال الأكبر أن الناس قد اعتادوا على مثل هذه السلوكيات بحق النساء فلا يعتبرونها ظلمًا وإفسادًا لحياة إنسان. إحدى المشاركات في كتاب (سيرة الأُمَّهات) وهي أمل الفاران؛ كاتبة وقاصة وروائية؛ لكن أمها (سارة) لم تكن راضية عن نشاطها الإبداعي؛ فهي تريدها أن تكون امرأةً نمطيةً، وترى أن كتاباتها الإبداعية؛ تمثل تمردًا لا يليق بالإناث؛ لأنه يُطلق الألسنة التي تتربص لتشويه السمعة؛ ولأن أُمَّ (أمل) تحاول إسكاتها؛ وتعمل على لجم مسعاها الإبداعي؛ لذلك فإن (أمل) لا توافق على الثناء المطلق على الأمومة فتقول: (يصعب جدًا اختصار الأم في كلمات) فالأمهات مختلفات كاختلاف البشر في كل شيء؛ فالأمومة لا تعني الكمال ولا تعني الاخلاص الدائم وإنما قد تعني إهمال الواجب وربما الاستخفاف بمسؤولية الأمومة، وربما تعني التحكُّم والتسلط ومحاولة وأد القدرة الإبداعية تقول أمل: (التفكير في أمي كامرأة لها رغباتها ومخاوفها وعيوبها؛ هو إحساسٌ لن أحبه، وسأحتاج لوقت طويل حتى أجد الجرأة للحديث عنه) وتقول: (في الوطن العربي المرأة المبدعة؛ هَلَعُ أمها وعذابها؛ تتمرد الابنة على النواميس، وتقتحم عالَمًا لم يُصَمَّم لها، وهو جُرمٌ في نظر أمها؛ إن ابنتها الكاتبة ستُخِلُّ بواجباتها الاجتماعية لا محالة؛ وسيئدها الرجال بلا شك؛ وخشية ذلك ستحاول عسفها قبل أن يفعلوا) وتضيف: (أتذكر هذه اللحظات مع أمي اللحظات التي ينتقدها المحيطون لأن ابنتها تكتب؛ فتعود بعجزها وخجلها لتحاول صرفي عن الكتابة) وتقول: (قبل أيام قرأت قصيدة؛ وتذكرت شعور الغربة عن لمسة أمي ودعواتها؛ شاعرة شابة تعرف تمامًا الدور المرسوم لها وترفضه؛ تخشى أمي أن تنشر النساء نمائم صغيرة؛ أن يعرف الرجال أن لي صوتًا ورغبات، واعتراضات شاسعة على كل ما يجري؛ تخشى أن يصيبني وحم الكتابة فأنشغل عن الطبخ والغسيل وإعداد كيكة البرتقال أو الكبسة؛ خشيتْ أمي أن تفتني الكتابة؛ فحاولت أن تختم فمي؛ وأكملتُ دربي موشومةً بانكسار من طُرِدتْ من جنة رضاها) إن الأم وهي تناضل لإيقاف ابنتها عن مواصلة العمل الإبداعي؛ ليست فقط ضحية الثقافة الموروثة المنغلقة، أو التفكير الحدي السائد، أو التربية المتحجرة، وإنما هذه حالةٌ تؤكد سطوة المجتمع القامعة، وخوف الناس من النبذ، ورعبهم من الاقصاء، وتحاشيهم لأسباب التهميش، والتمسك بما يحميهم من خنق المكانة الاجتماعية؛ فالإنسان لا يستطيع الانفكاك من الأسْر الاجتماعي، ولا يطيق العيش في مجتمع يُخَوِّنه وينبذه وينشر عنه النمائم ويختلق القصص والأوصاف المؤذية.