قيمة الثانية.
كانت إحدى خطب يوم الجمعة عن قيمة الوقت في حياة الإنسان، وهو موضوع لا يختلف اثنان على أهميته وعظيم شأنه، لكونه من أثمن الموارد التي يملكها الإنسان، بل هو المورد الوحيد الذي يتساوى فيه الناس جميعًا، فلكل إنسان أربع وعشرون ساعة في اليوم، إلا أن الفارق الحقيقي يكمن في كيفية استثمارها. ولأهمية الوقت أقسم المولى عز وجل به في مواضع متعددة من كتابه الكريم، فقال سبحانه: “والعصر إن الإنسان لفي خسر”، وقال: “والفجر وليالٍ عشر”، وقال: “والضحى والليل إذا سجى”، وقال: “واليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى” وما ذلك إلا تنبيه إلى عظمة هذا الزمن الذي تجري فيه أعمار الناس وأعمالهم. ومن المهم التنبيه إلى أن الله سبحانه يقسم بما شاء من مخلوقاته، أما العباد فلا يجوز لهم أن يقسموا إلا بالله عز وجل. وقد جاءت السنة النبوية لتؤكد أهمية الوقت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”، وقال ايضاً: “لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع”، ومنها: “عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه”، مما يدل على أن الوقت ليس نعمة فحسب، بل أمانة ومسؤولية سيحاسب الإنسان عليها. ولعل ما يميز الوقت عن غيره من النعم أن ما يفوت منه لا يمكن استرجاعه مهما بلغت إمكانات الإنسان؛ فالمال إذا ضاع أمكن تعويضه، والوظيفة قد تُستعاد، والتجارة قد تزدهر بعد خسارة، أما الدقيقة التي تمضي من العمر فلا يمكن أن تعود مرة أخرى. ولذلك كان الوقت هو رأس المال الحقيقي للإنسان، تُبنى عليه إنجازاته في دينه ودنياه، ويتحدد بقدر حسن استثماره مقدار ما يحققه من نجاح وأثر. ومن أجمل ما قيل في هذا الباب ما يُنسب إلى التابعي الجليل الحسن البصري رحمه الله: “يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك”، وهي عبارة تختصر حقيقة العمر، فالأيام لا تمر بنا، بل يمضي معها جزء من أعمارنا لا يعود أبداً. ويقول أبو العتاهية: إنَّ الشبابَ والفراغَ والجِدَةَ مفسدةٌ للمرءِ أيَّ مفسدةِ والجِدَة في لغة العرب تعني الغنى . وقد قلت في بيت من قصيدة ضمن ديواني “حلاوة الإيمان”: هل توقّع عيالك من كبير وصغير يمنحونك ثواني فوق عمرك عمر وفي هذا العصر، أصبحت وسائل التقنية ومنصات التواصل تستنزف جزءًا كبيراً من أوقات كثير من الناس، حتى تمضي الساعات وهم يظنون أنها دقائق. وليس المقصود الدعوة إلى ترك وسائل الترفيه أو الانقطاع عن التقنية، فهي من نعم الله إذا أُحسن استخدامها، وإنما المقصود أن يبقى الإنسان هو المتحكم في وقته، فلا يسمح لما لا ينفع أن يستنزف أغلى ما يملك. ولهذا فإن كل ثانية تمضي من عمر الإنسان هي جزء من حياته، فإن استثمرها في علم، أو عمل، أو عبادة، أو تجارة، أو صلة رحم، أو ترفيه مباح يعيد إليه نشاطه، كانت رصيداً يعود عليه بالنفع في دنياه وآخرته. أما إذا أضاعها فيما لا ينفع، فإن الحسرة غالباً لا تأتي إلا بعد مرور السنين، حين يلتفت إلى الوراء فلا يجد من عمره إلا ذكريات بلا إنجاز. إن قيمة الوقت لا تنافس قيمة الذهب، بل تتفوق عليها؛ فالذهب يمكن ادخاره ثم استعادته متى احتاج إليه صاحبه، أما ثانية واحدة من الزمن إذا مضت فلن يستطيع أحد، مهما بلغت قوته أو ثروته، أن يعيدها. ولهذا كانت قيمة الثانية أعظم مما يظنه كثير من الناس، لأنها لبنة من العمر، والعمر هو رأس مال الإنسان الحقيقي. فالإنسان لا يعيش عمره بالسنوات، بل بالثواني التي أحسن استثمارها ، ومن هنا جاءت قيمة الثانية.