لا زال التلفزيون يُناضل .

لو قلت لأحفادي أن جدّهم (أنا) لم يك يعرف شيئاً اسمه « تلفزيون» إلاّ بعد أن أصبحت يافعاً حين شاهدت ذلك الصندوق السحري لأول مرّة فأدهشني حد الذهول، أظن بأن الشك سيساورهم لأنه بكل ببساطة لا يُمكن تخيّل حياة بشر دون وجود وسيلة اتصالية تربطهم بالعالم. من عاش تلك الحقبة أي بداية دخول التلفزيون لبلادنا أكيد بأنه سيتذكر تحلّق الجميع أمام ذلك الصندوق الذي وُضِع في صدر أهم مكان في البيت وتم تزيين أعلاه بمفرشٍِ أبيض مشجّر ومزهرية فيها ورود بلاستيكية لا تذبل. كما سيتذكر كيف كانت الأم قبل بدء شارة البث وسماع صوت السلام الملكي كانت قد هيأت متطلبات السهرة من الشاي والمكسرات ورتبت جلسة كل فرد فيهم فالصغار في المقدمة يليهم الأكبر فالأكبر وفي المؤخرة تجلس بجانب شريك حياتها الأب الوقور. مُبهجة طقوس تلك السهرة. خصوصا في قلوب الصغار الذين يشاهدون أفلام الكرتون مباشرة بعد الافتتاح وبعد أن يُطل عليهم المذيع وهو يتلو برامج السهرة بينما هم لا يأبهون بتلك البرامج بقدر شغفهم لمتابعة (ميكي ماوس) الذي يتدخل وقت ذروة الحكاية ليُنقذ الفأرة ذات الرموش الطويلة من بين براثن قط شرس ليفرح حينها الصغار بتلك النهاية السعيدة. شُبان ذلك الجيل كانوا يتابعون مسلسل الغواصة الذرية ومسلسل الكاوبوي الشهير (بوننزا) وجحيم المعركة والدكتور (هو) وغيرها من المسلسلات الأمريكية المدبلجة، بينما الأمهات يتابعن كل شيء، خصوصا برنامج من البادية والمسلسلات البدوية واللبنانية. أما الآباء فهم ينتظرون المصارعة الحرّة أو مباريات الملاكمة للبطل المسلم محمد علي كلاي بصوت المعلّق إبراهيم الراشد رحمه الله، ثم ينامون وصورة غمزة المُغنيّة سميرة توفيق لا تغادر مخيلتهم. لا ريب بأن لكل مرحلة تأثيرها العاطفي في الوجدان وهو ما جعل التلفزيون يناضل كي يبقى المؤثر ولو جزئيا في تشكيل وعي الشعوب. * لندن