من يوقظ الصحافة قبل أن تصبح أرشيفًا؟

يصعب عليّ أن أفهم حالة الاستسلام التي تعيشها كثير من الصحف اليومية أمام التحول الرقمي ، فبدل أن تقود هذا التحول، اكتفت في الغالب بنقل محتواها من الورق إلى الشاشة، وكأن تغيير وسيلة النشر يكفي لمواجهة تغير سلوك القارئ، وتحولات السوق، وثورة التقنية ، والنتيجة أن الصحيفة خسرت ميزتها الورقية، ولم تكسب في المقابل روح المنصة الرقمية. الأكثر غرابة أن هذا التراجع لم يكن مفاجئًا ، فالجميع تقريبًا يعرف أسباب الأزمة، من إدارات التحرير إلى المؤسسات المالكة، ومن الصحفيين إلى المختصين بالإعلام، لكن المعرفة وحدها لم تتحول إلى مشروع إنقاذ، ولا إلى خارطة طريق تعيد تعريف دور الصحيفة في زمن تغيرت فيه قواعد اللعبة بالكامل ..هل قلت “اللعبة”! الأزمة في حقيقتها ليست أزمة ورق، فالعالم لم يتوقف عن قراءة الأخبار، بل تغيرت طريقته في استهلاكها ، فالقارئ اليوم يريد الخبر سريعًا، لكنه يبحث أيضًا عن التحليل، والتفسير، والعمق، والسرد البصري، والتفاعل ، بينما لا تزال كثير من الصحف تتعامل مع المنصات الرقمية بوصفها واجهة جديدة للمحتوى نفسه، لا بيئة مختلفة لها لغتها وأدواتها وجمهورها. ولذلك تبدو المشكلة مركبة ، فهناك إدارات لم تستوعب سرعة التحول، ومؤسسات مالكة لم تستثمر بما يكفي في الابتكار، ونموذج اقتصادي تقليدي لم يعد قادرًا على تمويل صحافة تنافس المنصات الرقمية، إلى جانب ندرة القيادات التي تملك الجرأة لإعادة بناء غرف الأخبار وفق متطلبات العصر، لا وفق ما اعتدناه قبل عشرين عامًا. والمفارقة أننا في المملكة نعيش واحدة من أكبر مراحل التحول الوطني في تاريخنا الحديث من مشاريع عملاقة، وحراك اقتصادي وثقافي، وأحداث تستقطب اهتمام العالم، وقصص نجاح تستحق أن تُروى باحترافية عالية ، ومع ذلك ما زلنا في أحيان كثيرة نعود إلى الصحف والمنصات العالمية لنقرأ تحليلات أكثر عمقًا عن أحداث تقع في محيطنا، بينما يفترض أن تكون صحافتنا الوطنية هي المرجع الأول في تفسيرها وروايتها وصناعة النقاش حولها. لسنا وحدنا في هذه الأزمة؛ فالصحافة التقليدية تواجه تحديات مشابهة في معظم دول العالم ، لكن الفارق أن مؤسسات إعلامية عالمية اختارت إعادة ابتكار نفسها بدل الاستسلام لواقع جديد ، لم تعد تعتبر نفسها صحيفة ورقية، بل مؤسسة تنتج المعرفة والمحتوى عبر النص، والفيديو، والبودكاست، والرسوم التفاعلية، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، وتبني علاقتها مع جمهورها على القيمة، لا على عادة شراء النسخة اليومية. ما نحتاجه اليوم ليس إنقاذ صحيفة ورقية، بل صناعة “صحيفة حية” ، منصة إعلامية رقمية تنبض بالحركة، تسبق الحدث ولا تكتفي بملاحقته، وتنتج محتوى يفسر ويحلل أكثر مما يكرر، وتستثمر في الصحافة المتخصصة، والصحافة الاستقصائية، وصحافة البيانات، وتمنح الصحفي مساحة ليكون صانع معرفة، لا مجرد ناقل للمعلومة. إن إعادة بناء الصحافة لا تبدأ بتغيير الشعار أو تحديث الموقع الإلكتروني، بل بإعادة التفكير في فلسفة المؤسسة الإعلامية نفسها: كيف تنتج المحتوى؟ وكيف تصل إلى جمهورها؟ وكيف تحقق الاستدامة المالية؟ وكيف توظف التقنيات الحديثة دون أن تفقد جوهر المهنة؟ عندها فقط يمكن أن تتحول الصحيفة من مؤسسة تخشى المستقبل إلى مؤسسة تصنعه. لا أؤمن بأن الصحافة انتهت، ولا أن القارئ هجرها ، ما انتهى هو النموذج الذي ظل يعتقد أن تغيير الورق إلى شاشة يكفي للبقاء ، أما الصحافة التي تمتلك رؤية، وتستثمر في الإنسان والتقنية والمحتوى، فهي قادرة على استعادة مكانتها، وربما بصورة أقوى مما كانت عليه. وسط النهضة التي تعيشها المملكة، نستحق أن تكون لدينا صحيفة رقمية رائدة، توازي هذا الطموح الوطني، وتصبح مرجعًا إقليميًا في صناعة الخبر وتحليله. فالتحولات الكبرى لا تحتاج إلى مشاريع عمرانية واقتصادية فحسب، بل تحتاج أيضًا إلى إعلام حي، يواكبها، ويفسرها، ويؤرخ لها، ويمنحها الصوت الذي يليق بها..وليسمح لي القارئ الكريم أن أعيد صياغة العنوان : من يوقظ الصحافة قبل أن تصبح مجرد ذكرى جميلة؟!