كيف ستصبح السعودية دولة نووية؟ ولماذا؟
على خلفية التطورات التي شهدها ملف التعاون النووي بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة، والإعلان عن صفقة للتعاون النووي السلمي بين البلدين، نعيد هنا نشر مقالة الزميل سلمان العنزي التي نُشرت في اليمامة في العدد رقم ( 2794 ) تاريخ ( 25/1/2024م الموافق 13/7/1445هـ )، والتي استشرف فيها مبكرا مستقبل التعاون النووي السعودي مع الولايات المتحدة وآفاقه الاستراتيجية، وجاءت التطورات الأخيرة متطابقة، إلى حد لافت، مع ما طرحه الكاتب من رؤى وتحليلات. ويعد الزميل سلمان العنزي واحدا من أبرز الكتاب الشباب الذين تميّزوا بقراءاتهم الاستشرافية وتحليلاتهم الاستراتيجية، ويواصل عبر»اليمامة» نشر مقالاته وتحليلاته بصورة منتظمة، مقدما رؤى نوعية تستبق الأحداث وتواكب التحولات الكبرى. “إذا حصلوا على واحدة فلا بد أن نحصل عليها بالمثل، لأسباب أمنية ومن أجل توازن القوى في الشرق الأوسط. لكننا لا نريد أن نرى ذلك”. -ولي العهد سمو الأمير محمد بن سلمان، مقابلة مع قناة فوكس نيوز الأميركية 2023. يتسم النظام الدولي بالفوضوية، التي تعني غياب السلطة المركزية الضابطة لسلوك الجهات الفاعلة فيه (الدول)، والتي تتفاعل فيما بينها بطرق مختلفة يحكمها التعاون والصراع، وذلك بسبب التغير المستمر في التحديات والقضايا التي تواجهها الدول والمصالح أيضاً. يمكن إعادة الطبيعة الفوضوية إلى تأثير عدة عوامل متنوعة، سياسية واقتصادية واجتماعية، تساهم في تشكيل تصورات وتفضيلات وسياسات الدول. تمثل التهديدات الأمنية التي يفرضها النظام الدولي الفوضوي ركيزة أساسية ومحددًا رئيسًا يرسم ويشكل السياسة الخارجية والداخلية لدى الدول. حيث تشكل مصلحة البقاء قضيةً مهمةً ومفصليةً لدى الدول، لذلك دائمًا ما ينظر إلى الأسلحة النووية كوسيلةٍ لتعزيز قوة الدولة والحفاظ على بقائها. كان لاكتشاف الأسلحة النووية تأثير عميق على العلاقات الدولية، حيث أدخلت بعداً جديداً للقوة والتهديد والردع. لقد غيرت توازن القوى في العالم، فقد كانت الولايات المتحدة القوة النووية الأولى والوحيدة لبضع سنوات، يليها الاتحاد السوفييتي ودول أخرى. فقد أصبحت الأسلحة النووية مصدراً للتنافس بين الدول النووية، فضلا عن الشعور بالخوف وانعدام الأمن بين الدول غير النووية كونها تشكل تهديداً خطيراً للأمن والاستقرار الدوليين. ولمواجهة هذه التهديدات، بُذلت جهود عديدة لمنع انتشار الأسلحة النووية ونزعها من خلال المعاهدات والمنظمات الدولية، مثل معاهدة حظر الانتشار النووي، ومعاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأمم المتحدة. ومع ذلك، واجهت هذه الجهود العديد من التحديات والقيود، حيث سعت بعض الدول إلى الحصول على الأسلحة النووية خارج إطار معاهدة حظر الانتشار النووي. تسعى الدول للحصول على الأسلحة النووية بسبب وجود عدة مميزات تمثل محفزات، أولها الردع، حيث توفر الأسلحة النووية القدرة على ردع الخصوم المحتملين عن الهجوم وتهديد المصالح الحيوية للدولة. ويمكن للأسلحة النووية أن تخلق توازنًا نوويًا، أو ما يسمى بـ “التدمير المتبادل المؤكد”. وقد أثبت الردع فعاليته في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بعدما قامت الدولتان بتطوير ونشر الأسلحة النووية لردع بعضهما البعض عن شن هجوم نووي أو تصعيد عسكري تقليدي. يعد الإكراه أو الإجبار ميزة إضافية تدفع الدول للسعي نحو امتلاك الأسلحة النووية، كونها تعطي الدولة القدرة على إجبار الدول الأخرى وإرغامها على الامتثال لمطالبها باستخدام التهديد بالسلاح النووي. إذ يمكن للأسلحة النووية أن تتيح إمكانية إجبار الدول على التعاون فيما بينها من خلال تقديم ضمانات أمنية. وهذا ما حدث عندما هددت الولايات المتحدة كوريا الشمالية بإلقاء قنبلة نووية، الأمر الذي دفع كوريا الشمالية قسرًا إلى توقيع الهدنة في عام 1953. إضافة إلى المميزات السابقة التي تحفز الدول نحو امتلاك الأسلحة النووية، فإن المكانة الدولية والإقليمية التي توفرها الأسلحة النووية لتعزيز مكانة الدولة ونفوذها في النظام الدولي، تسمح لها باستعراض قوتها العسكرية وقدراتها العلمية والتكنولوجية، واستعدادها لتحدي النظام القائم. كما تضيف الأسلحة النووية قيمة معنوية للدول من خلال إشعال المشاعر الوطنية والاعتزاز بالهوية الوطنية. في عام 1998، قامت باكستان، الدولة النووية حديثًا آنذاك، بدوافع وطنية بسبب النزاع على كشمير، بنشر أسلحتها النووية على الحدود الهندية لتأكيد دورها الإقليمي والدولي، ومقاومة نظام منع الانتشار النووي. وبطبيعة الحال، يمكن القول بأن الدوافع المحفزة والمميزات التي توفرها الأسلحة النووية لا يمكن استبعاد بعضها عن بعض، فقد تختلف بمرور الوقت وباختلاف الحالات، ولكن جميعها تشير إلى أن الدول تسعى للحصول على أسلحة نووية كوسيلة للتعامل مع الفوضوية التي يتصف بها النظام الدولي وانعدام الأمن. ولكن هل جميع الدول يمكنها الحصول على السلاح النووي أو تطوير برنامج نووي؟ بالطبع لا، في معظم الأحوال. يرى سكوت ساجن، مؤلف كتاب “انتشار الأسلحة النووية: مناقشة دائمة - 1995”، أن الانتشار النووي يمكن أن يتسبب في عدة مخاطر، كالحوادث النووية، وسوء التقدير، والاستخدام غير المسؤول للأسلحة النووية. ويؤيد ساجن بطريقة غير مباشرة موقف رافضي الانتشار النووي الذين يرون أن هناك عدة عوامل تؤثر على عملية السعي نحو امتلاك الأسلحة النووية أو تطوير برنامج نووي محلي، أهمها طبيعة النظام السياسي وقوته واستقراره، والتهديدات النوعية التي تواجهها الدولة. وبحسب سكوت ساجن، فإن نوع وطبيعة النظام السياسي لهما تأثير مباشر على السياسة الداخلية وعملية صنع القرار النووي، وعلى آلية تشكل المعايير والقيم لدى القادة حول أخلاقيات استخدام الأسلحة النووية. فهو يرى أنه يجب على الدول إيضاح تكاليف وفوائد الأسلحة النووية لشعبها بشفافية عالية، ويشير أيضًا إلى أن القادة العقلانيين هم الذين لديهم شعور عالٍ بالمسؤولية يدفعهم نحو الالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بالأسلحة النووية واستخدامها، والتي تمنع أو تقلل من استمرار الانتشار النووي في العالم. ومن جانب آخر، يرى فيبين نارانج، النائب الأول لمساعد وزير الدفاع الأمريكي لسياسات الفضاء، ومؤلف كتاب “البحث عن القنبلة: استراتيجيات الانتشار النووي – 2022”، أن الأنظمة السياسية القوية والدائمة ليست بالضرورة أكثر ثقة بشأن بقاء أنظمتها واستقرارها. فقد تواجه هذه الأنظمة تهديدات وجودية من قوى نووية أخرى، أو من جهات فاعلة غير حكومية، مثل الإرهابيين والانفصاليين، مما قد يجبرها على السعي نحو امتلاك الأسلحة النووية. كما يرى أن الأنظمة السياسية الضعيفة والهشة ليست بالضرورة أقل أمانًا بشأن بقاء أنظمتها واستقرارها. فقد يكون لديها مصادر أخرى للأمن، مثل التحالفات مع دول نووية أخرى، والتي تملأ الفراغ الأمني بسبب عدم قدرتها على الحصول على الأسلحة النووية أو تطوير برنامج نووي. من المؤكد أن طبيعة التهديدات ونوعيتها تعد عاملاً محفزًا للدول للسعي نحو امتلاك الأسلحة النووية. تنقسم التهديدات في طبيعتها إلى تهديدات تقليدية وتهديدات نووية. فالتهديدات التقليدية هي التي تأتي من خصوم منافسين مجاورين غير نوويين، أو من قوى إقليمية تسعى لتحقيق الهيمنة الإقليمية. بينما تعد التهديدات النووية صادرة من منافسين نوويين، أو من قوى عظمى، أو من دول نووية مارقة غير مسؤولة. يزعم نارانج أن هناك موقفين تتبناهما الدول للتعامل مع التهديدات التي تواجهها: الموقف الأول، عندما تكون التهديدات التي تواجهها الدولة تقليدية، فإنها غالبًا ستسعى إلى امتلاك الأسلحة النووية كوسيلة للردع الخصوم النوويين المحتملين أو إكراه الدول الأخرى على تبني سياسات وتنفيذ مطالب معينة. ويطلق على هذا النوع من السعي ما يسمى بالموقف النووي المحفز. الموقف الثاني، عندما تواجه الدولة تهديدات نووية، فإنها ستتبنى الموقف الانتقامي الذي يقوم على فكرة التدمير المتبادل والقدرة على تنفيذ الضربة الثانية. إن عملية السعي نحو امتلاك الأسلحة النووية ليست بالعملية السهلة التي قد تحدث بين عشية وضحاها. فهي تحتاج إلى سلسلة طويلة ومعقدة من الإجراءات والسياسات الداخلية والخارجية، والتهيئة المسبقة لها داخليا وخارجيا، للتأهب لردود الفعل الدولية المانعة للانتشار النووي. يقسم نارانج استراتيجيات الانتشار النووي (الاستراتيجيات التي تتبعها الدول للحصول على السلاح النووي) إلى أربعة أنواع تختارها الدول بناءً على التهديدات التي تواجهها، وهي: التحوط، السعي الحثيث، الإخفاء، السعي المحمي. تعتمد استراتيجية التحوط على قدرة الدولة في الحفاظ على قدراتها النووية الكامنة دون إجراء تجارب علنية أو نشر أسلحة نووية. أما النوع الثاني من استراتيجيات الانتشار النووي فيُسمى السعي الحثيث. تعتمد هذه الاستراتيجية على عامل الوقت والعمل الاستباقي السريع في تطوير البرنامج النووي لإظهار القدرة على إنتاج أسلحة نووية قبل مواجهة العقوبات الدولية أو الهجمات العسكرية الوقائية التي تهدف إلى منع الدول من الاستمرار في تطوير برنامجها النووي. النوع الثالث يسمى استراتيجية الإخفاء. وهي استراتيجية تقوم على السرية التامة والإنكار لوجود الأسلحة النووية أو وجود برنامج نووي قيد التطوير. النوع الرابع من استراتيجيات الانتشار النووي التي قد تتبعها بعض الدول تسمى استراتيجية السعي المحمي. وهي تتضمن وجود دولتين: الأولى دولة راعية لعملية نقل الأسلحة النووية أو البرنامج النووي، وهي غالبًا ما تكون قوى عظمى. والثانية دولة ثانية تسعى للحصول على السلاح النووي. حيث تقوم الدولة الراعية بدعم الدولة ذات الطموحات النووية من الضغوط والتدخلات الدولية. أخيرًا، يفترض نارانج أن الدول التي تواجه تهديدات تقليدية من المرجح أن تتبع استراتيجية التحوط أو السعي الحثيث، وذلك يتحدد بناءً على سياساتها الداخلية وبيئتها الدولية. يزعم أيضًا أن الدول التي تواجه تهديدات نووية ستتبع استراتيجية الإخفاء والإنكار من أجل تجنب استفزاز الخصوم النوويين الآخرين. نفترض في هذا المقال أن صانع القرار السعودي لديه أربع خيارات محتملة للحصول على السلاح نووي: أولاً، شراء سلاح نووي من قوى خارجية. ثانيًا، التحالف مع دولة نووية. ثالثًا، تطوير برنامج نووي بالتعاون مع قوة عظمى. رابعًا، التوصل إلى اتفاق شامل لشرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية، وهذا مستبعد. ونفترض أيضًا أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تفرض على صانع القرار السعودي اختيار الخيار الثالث لثلاثة أسباب: الأول: عامل الوقت ليس في صالح السعودية في ظل تبني إيران استراتيجية السعي الحثيث وتسريعها لخطواتها لامتلاك السلاح النووي. الثاني: تمتلك السعودية علاقات قوية ووثيقة مع القوى العظمى، فهي حليف وثيق للولايات المتحدة، ولديها شراكات أمنية واقتصادية وسياسية تاريخية مع الصين. الثالث: أن الاستراتيجية المتاحة للانتشار النووي التي ستتبعها السعودية هي استراتيجية السعي المحمي، للاستفادة من علاقاتها مع القوى العظمى، وعلى وجه الخصوص ستكون الصين الدولة التي سترعى البرنامج النووي السعودي. عند تشخيص واقع البيئة الأمنية الإقليمية لدول الخليج، نلاحظ أنها معقدة ومتعددة الأوجه، وتشمل جهات فاعلة إقليمية ودولية تشكل تهديدات تقليدية ونووية تواجهها دول أعضاء مجلس التعاون الخليجي. تنبع هذه التهديدات من التحديات الجيوسياسية والأمنية في المنطقة، خاصة من إيران، والعراق، واليمن، وسوريا، ولبنان، وقضايا الإرهاب. كانت هذه التهديدات موجودة منذ عقود، ولكنها اشتدت في السنوات الأخيرة بسبب حالة عدم الاستقرار والصراع المستمر في الشرق الأوسط، وتزامنها مع التراجع الأمريكي في المنطقة، إلى جانب الطموحات النووية والصاروخية الإيرانية. عندما ننظر إلى دول مجلس التعاون الخليجي، نجد أن هناك أربع دول صغيرة: الإمارات، البحرين، قطر، الكويت. تتعايش هذه الدول مع قوتين إقليميتين: المملكة العربية السعودية التي تسعى للحفاظ على الوضع الراهن، وإيران ذات النوايا التوسعية والطموحات النووية. تواجه هذه الدول الصغيرة جغرافيا تحديات أمنية وقيوداً مختلفة تؤثر على أمنها وبقائها؛ وذلك بسبب عدم امتلاكها لمكونات القوة في السياسة الدولية (القوة العسكرية، القوة الاقتصادية) بسبب قلة عدد السكان والحجم الجغرافي. يفرض مبدأ توزيع القدرات على هذا النوع من الدول تبني سياسة خارجية تقوم على تحقيق التوازن من خلال تشكيل التحالفات فيما بينها أو التحالف مع قوى خارجية. ولاستشراف مستقبل البيئة الأمنية والتحديات التي تواجهها دول الخليج، علينا ملاحظة تبعات وعواقب ظهور دولة نووية جديدة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل. وضع سكوت ساجن في مناظرة علمية بينه وبين كينيث وولتز في أوائل عام 2007، برعاية مركز كيلوج للمؤتمرات، ثلاثة سيناريوهات قابلة للحدوث قد تدفع الدول إلى تبني سياسات لموازنة التهديدات النووية: السيناريو الأول، أن تكون الدولة التي حققت التفوق النووي أكثر عدوانية في استخدام أسلحتها التقليدية تجاه جيرانها. السيناريو الثاني، وصول الإرهابيين وسيطرتهم على الأسلحة النووية. السيناريو الثالث، حدوث حالة من عدم الاستقرار السياسي والانفلات وفقدان القدرة على التحكم بالأسلحة النووية. في الحقيقة، لا يمكننا استبعاد حدوث هذه السيناريوهات لسببين: الأول، إنه عند النظر في تاريخ الدول النووية الحالية أو الدول التي تخلت عن ترسانتها النووية، نلاحظ أنه لم يقع السلاح النووي في أيدي الجماعات الإرهابية، أو أنه قد حدث انفلات وعدم استقرار سياسي في تلك الدول. وهذا يعود إلى طبيعة النظام السياسي في تلك الدول، ولكن ليس على كل حال أن تكون جميع الدول النووية تمتلك نظامًا سياسيًا قويًا ومتينًا قادرًا على حماية برنامجها وأسلحتها النووية. والثاني، أن الذي يهمنا هنا هو التحول الذي يحدث في السياسة الخارجية للدول النووية الجديدة، وسلوكها تجاه جيرانها. لذلك، يمكن القول بأن حدوث السيناريو الأول أكثر واقعية في حالة ظهور دولة نووية جديدة في الشرق الأوسط. إذ تعد الحالة الباكستانية مثالاً ودليلاً واقعياً على تبني الدولة النووية حديثاً سلوكاً عدوانياً تجاه جيرانها. وذلك عندما قرر صانع القرار الباكستاني نواز شريف، بعد أن أصبحت باكستان دولة نووية، القيام بفعل تجاه كشمير. أمر نواز شريف بنشر القوات الباكستانية على الحدود الهندية ودعم الجماعات التي تقاتل الهند في كارجيل عام 1998. عندها هددت الهند باكستان باستخدام السلاح النووي، الأمر الذي دفع صانع القرار الباكستاني إلى اتخاذ موقف نووي انتقامي ضد الهند ونشر الصواريخ النووية للبدء بتنفيذ الضربة النووية. ولكن سرعان ما تراجع صناع القرار في كلا الدولتين عن هذا التصعيد لإدراكهم أن هناك شيئاً يسمى “التدمير المتبادل المؤكد” أو فرصة تنفيذ الضربة الثانية. ومن خلال تحليل سلوك إيران في المنطقة، والذي تحفزه الطموحات النووية، فإننا نجد أنه يعكس رغبة في تحقيق الهيمنة الإقليمية، سواء كان عن طريق إيجاد وكلاء جدد لها، أو دعم وكلائها التقليديين في العراق، سوريا، اليمن، لبنان. فضلاً عن طموحاتها التوسعية، والتي قد ينتج عنها شن هجوم عسكري مباشر، أو تهديد الملاحة الدولية، في حال أصبحت دولة نووية. وعند الإجابة على التساؤل الذي طرحناه سابقًا حول ماهية الدول المؤهلة لأن تصبح دولة نووية، فإنه يمكن النظر إلى المملكة العربية السعودية، كونها تعد قوة إقليمية مؤثرة وذات نفوذ ومكانة دولية، بأنها الدولة المؤهلة لأن تصبح دولة نووية جديدة في الشرق الأوسط، لعدة أسباب سياسية واقتصادية وأمنية. سياسياً، تعد السعودية فاعلًا رئيسيًا في الشرق الأوسط وفي السياسة الدولية، ولها تأثير كبير على العالم العربي والإسلامي. وهي عضو مؤسس في العديد من المنظمات الدولية مثل: أوبك، والأمم المتحدة، ودول مجموعة العشرين، وجامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ورابطة العالم الإسلامي. لدى السعودية شراكات وتحالفات استراتيجية وروابط سياسية مع القوى العظمى. وذلك يعود إلى تبني السعودية سياسة خارجية مرنة ومتوازنة تجاه مصالحها، والتي مكنتها من التكيف مع متغيرات السياسة الدولية والاستجابة لمختلف التطورات إقليميًا ودوليًا. تتمتع السعودية منذ تأسيسها في عام 1727م بنظام سياسي قوي ومستقر، أثبت قدرته على تجاوز العديد من الأزمات والاضطرابات الإقليمية والدولية. استطاعت السعودية المحافظة على البنية الأساسية لنظامها السياسي ووظائفه عبر الزمن، رغم مواجهتها العديد من التحديات والتغيرات المستمرة. لقد تمكنت السعودية من مواجهة العديد من التحديات الداخلية والخارجية المختلفة بمرونة عالية، وذلك بسبب طبيعة نظامها السياسي الملكي، والمركزية العالية والمتانة لدى النظام السياسي السعودي، والتي تضمن وجود رؤية واتجاه واضحين عند صنع القرار تجاه القضايا والاضطرابات، مثل: الربيع العربي الذي طال بعض الدول الخليجية، وتراجع أسعار النفط، والإرهاب، والاضطرابات السياسية، وأزمة كورونا، ومؤخرًا تبعات الحرب الروسية الأوكرانية. اقتصاديا تعد السعودية أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط وتحتل المرتبة الثامنة عشرة كأكبر اقتصاد عالمي. تمتلك السعودية ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم وسادس أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم. يعتمد الاقتصاد القوي لدى السعودية على مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي الاستراتيجي في العالم. إن الموقع الاستراتيجي للسعودية وما يتضمنه من مميزات جغرافية، عامل مهم ساهم في تعزيز القوة الاقتصادية، وذلك من خلال الاستفادة من مكانتها كمركز للتجارة والاستثمار الدوليين، حيث ترتبط بموقعها الجغرافي ثلاث قارات: أفريقيا، آسيا، أوروبا. فضلاً عن مساحتها الجغرافية الشاسعة التي خلقت سوقاً محلياً قوياً، حيث تضم 32 مليون نسمة على أراضيها. وللمحافظة على هذه القوة والمكانة الاقتصادية، ولتحقيق الاستدامة في النمو الاقتصادي والتنمية، استطاعت السعودية العمل على تنويع اقتصادها من خلال تبني رؤية المملكة 2030، إدراكًا منها للآثار السلبية التي قد تنعكس سلبًا جراء الاعتماد المفرط على عائدات النفط، والذي قد يعرض اقتصادها للتقلبات وعدم اليقين بسبب التغيرات المستمرة في أسعار النفط. ولتفادي تلك الآثار السلبية، نفذت السعودية إصلاحات اقتصادية شملت الاستثمار في القطاعات غير النفطية الأخرى، مثل الصناعات البتروكيماوية والمعادن، وتوطين الصناعات العسكرية والسياحة، من أجل خلق مصادر دخل جديدة، هدفها خفض نسبة الاعتماد على النفط. أمنيًا، تواجه السعودية تهديدات تقليدية ونووية مختلفة. منها صراعات مستمرة وعدم استقرار في البلدان المجاورة لها مثل اليمن والعراق وسوريا ولبنان، والتي تشكل تهديدات بامتداد العنف والأزمات الإنسانية والحروب. تعد المنافسة الجيوسياسية بين السعودية وإيران عاملًا مؤثرًا على الأمن الإقليمي والدولي، والتي يمكن وصفها بأنها معقدة وذات أوجه متعددة، وذلك بسبب سعي طهران نحو الهيمنة الإقليمية التي تحفزها طموحاتها النووية، والتي تتحدى الوضع الراهن من خلال استمرارها في تصدير ثورتها وإيجاد وكلاء لها في مختلف البلدان العربية. في ظل رغبة السعودية، باعتبارها حليفًا موثوقًا للولايات المتحدة، في الحفاظ على الوضع الراهن ومعارضة الطموحات النووية الإيرانية، ومحاولة احتواء نفوذها. تعمل إيران على تحدي الوضع الراهن الإقليمي والدولي للتأكيد على نفوذها وقيادتها في الشرق الأوسط. تعتبر طهران نفسها قوة ثورية تعارض هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وهذا ما دفعها نحو السعي لامتلاك السلاح النووي والعمل على توسيع عمقها الاستراتيجي من خلال إنشاء شبكة من الوكلاء لها في بعض الدول العربية، مثل حزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، والحوثيين في اليمن، والمليشيات الشيعية في العراق وسوريا؛ وذلك لتحدي هذه الهيمنة، لأنها تواجه حالة من العزلة بسبب العقوبات، كونها تتبنى طموحات نووية بسبب خشيتها من تطويق حدودها واحتوائها من قبل قوى معادية مثل القواعد العسكرية الأمريكية والترسانة النووية الإسرائيلية، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يتضمن جيرانًا نوويين آخرين مثل باكستان، الحليف النووي السني للسعودية وللولايات المتحدة. يعد البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًا لدول الخليج على وجه الخصوص. فعندما تصبح إيران دولة نووية، فإن توازن القوى والأمن الإقليمي سيتم تقويضه. فعندما تحقق طهران تفوقًا نوويًا، فإنها ستكسب ميزة استراتيجية على منافسيها وخصومها، وستصبح أكثر عدوانية تجاه جيرانها، بشكل خاص السعودية، القوة الإقليمية المنافسة لها، والتواجد الأمريكي في المنطقة. لأنه من الممكن أن تستخدم سلاحها النووي كرادع، وأداة للمساومة في المفاوضات المستقبلية، أو وسيلة إكراه ضد جيرانها. سوف يشجع السلاح النووي طهران على متابعة تنفيذ أجندتها الدينية والإيديولوجية، من خلال دعم وكلائها في المنطقة. وهذا ينذر بخطورة الموقف الذي قد يؤدي إلى إمكانية تزويد إيران لوكلائها بالأسلحة النووية، وهو السيناريو الثاني الذي وضعه سكوت ساجن وحذر منه. ولمواجهة هذا التحول الخطير في المنطقة، ودخولها في سباق التسلح النووي، والذي سيعطل الجهود الدولية لمنع الانتشار النووي، الأمر الذي دفع دول الخليج اضطرارًا نحو البحث عن ضمانات أمنية والتحالف مع قوى خارجية. في 2018 وقعت قطر على اتفاقية مع حلف شمال الأطلسي “الناتو”، تتيح دخول ومرور قوات الحلف في الأراضي القطرية، ووقعت الإمارات والبحرين اتفاقيات إبراهام للاستفادة من الترسانة النووية الإسرائيلية كمظلة نووية. هذه الخطوات الخليجية هي من أجل الاستعداد لمواجهة التحول في توازن القوى. أبدت السعودية اهتمامها في الحصول على التكنولوجيا النووية للأغراض المدنية وربما عسكرية في المستقبل الأمر الذي يعكس التأهب السعودي لمواجهة التحول في توازن القوى الذي سيحدث فيما لو أصبحت إيران دولة نووية. ولكن رغم وجود علاقة وثيقة مع باكستان التي قدمت تأكيدات للسعودية بأنها ستتقاسم تكنولوجيتها النووية أو حتى أسلحتها النووية مع السعودية عند الحاجة إلا أنه من الواضح أن السعودية قد اختارت أن تتعاون مع قوة عظمى لتتبنى عملية تطوير برنامجها النووي. استطاعت المملكة العربية السعودية أن تصبح عضوًا في مختلف المنظمات والوكالات الدولية المعنية بالطاقة الذرية والنووية. في عام 2008، وقعت السعودية مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية لتعزيز جهودها في تطوير برنامج نووي مدني ضمن برنامج “الذرة من أجل السلام”. وفي عام 2010، أنشئت السعودية مدينة الملك عبد الله للطاقة الذرية والمتجددة لتطوير الطاقة الذرية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، والاستعانة باستشاريين وخبراء أجانب للمساعدة في صياغة استراتيجيتها النووية ووضع الأطر القانونية للاستخدام السلمي والآمن للطاقة النووية. في أول خطوة عملية نحو الحصول على الطاقة النووية، قامت السعودية بإعلان نيتها عن إنشاء أول مفاعل نووي منخفض الطاقة كمشروع ضمن مشاريع رؤية المملكة 2030 للأغراض البحثية والعلمية، والتي تم إطلاقها في عام 2016. وفي عام 2018، كخطوة جادة أخرى، تم إنشاء هيئة الرقابة النووية والإشعاعية لتنظيم الأنشطة والممارسات والاستخدام السلمي والآمن للطاقة النووية داخل المملكة العربية السعودية. وفي عام 2022، انتخب المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية المملكة العربية السعودية، لتصبح عضوًا في مجلس محافظي الوكالة ضمن الدول الأعضاء في المجلس من مجموعتها الجغرافية - دول الشرق الأوسط وجنوب آسيا. عند تحليل الخطوات التي اتخذتها السعودية والخيارات المتاحة أمامها، والعودة إلى أنواع استراتيجيات الانتشار النووي التي تتبعها الدول للحصول على السلاح النووي بحسب فيبين نارانج، فإنه من الواضح أن السعودية قد اختارت استراتيجية (السعي المحمي). وهذا ما سنحاول إثباته في الأسطر التالية. تقوم استراتيجية السعي المحمي على افتراض وجود علاقة بين طرفين: الأول دولة راعية، والتي غالبًا ما تكون قوة عظمى نووية، والثاني دولة تسعى للحصول على السلاح النووي. حيث يقوم الطرف الأول، وهي الدولة الراعية، بتوفير الدعم للطرف الثاني لمواجهة الضغوط والتدخلات الدولية خلال فترة تطوير الطرف الثاني برنامجه النووي. يشمل هذا الدعم المساندة الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية للطرف الثاني، فضلاً عن تقديم المساعدة الفنية والمادية لبرنامجه النووي. ويشمل الدعم أيضًا اتخاذ الطرف الأول موقفًا نوويًا رادعاً يثني الدول الأخرى عن التدخل في طموحات الطرف الثاني النووية أو إحباطها. يزعم فيبين نارانج أن استراتيجية السعي المحمي تعد خيارًا عقلانيًا للدول التي تواجه تهديدًا أمنيًا شديدًا من خصم نووي حالي أو منافس قد يصبح نوويًا في فترة قصيرة، ولديها تحالف قوي مع دولة راعية مسلحة نوويًا في الوقت نفسه. وهذا ينطبق على طبيعة التنافس فيما بين الرياض وطهران. وبما أن إيران تتبنى الاستراتيجية الثانية (السعي الحثيث) في الوقت الحالي، فإن عامل الوقت في مصلحتها وليس في مصلحة السعودية التي لديها علاقة قوية وتحالف مع الولايات المتحدة، وشراكة عسكرية تاريخية مع الصين. إن ما يحفز الدولة العظمى أن تصبح طرفًا في هذه العلاقة كدولة راعية لعملية تطوير برنامج نووي لدى دولة أخرى هو أنها ترى أن مساعدة هذه الدولة للحصول على السلاح النووي سيضمن لها تحقيق الاستقرار، الذي سينعكس إيجابًا على تحقيق مصالحها كقوة عظمى، بل وستشجع ذلك أحيانًا. وهذا ما دفع فرنسا والولايات المتحدة للتقديم الدعم الفني ورعاية برامج نووية مختلفة في الشرق الأوسط للدول العربية ولإسرائيل، ولا سيما حرص الولايات المتحدة على تقديم الدعم السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والعسكري للبرنامج النووي الإسرائيلي على وجه الخصوص، لوجود تهديدات وجودية لإسرائيل من الدول العربية آنذاك. وأيضاً عمل الاتحاد السوفييتي على رعاية العديد من البرامج النووية في شرق آسيا والشرق الأوسط من أجل تحقيق الاستقرار. وهذا ما يفسر رغبة الولايات المتحدة والصين في الحفاظ على الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال العمل مع المملكة العربية السعودية وتقديم الضمانات الأمنية لها، وسعي الصين أيضًا إلى التحالف مع السعودية للمضي قدمًا في تنفيذ مبادرتها “الحزام والطريق” التي تتطلب أن يكون الشرق الأوسط مستقرًا وآمنًا. إجمالًا، يمكن القول بأن السعودية لديها دولتان يمكن أن تختار إحداهما لتكون دولة راعية لبرنامجها النووي، وهما الولايات المتحدة والصين اللتان يمكنهما التسامح مع تحول السعودية إلى دولة نووية بسبب مصالحهما في الشرق الأوسط ورغبتهما في استقراره. ولكن، عند تقييم هاتين الدولتين، نجد أن الولايات المتحدة، كدولة راعية، تضع شروطًا معقدة على البرنامج النووي الذي ترعاه، والتي بدورها قد تمنع استخدامه لأغراض عسكرية على المدى القريب. يحظر قانون الطاقة الذرية الأمريكي، وفقا للمادة رقم (57B)، مشاركة الأشخاص حاملي الجنسية الأمريكية بشكل مباشر أو غير مباشر في إنتاج أو تطوير مواد نووية، وبشكل خاص خارج الولايات المتحدة، باستثناء ما يأذن به وزير الطاقة، بموافقة وزارة الخارجية، وبعد التشاور مع المسؤولين في وزارات الخارجية والدفاع والتجارة واللجنة التنظيمية النووية. تنطبق هذه المادة على عمليات نقل التكنولوجيا والمساعدة المتعلقة بتطوير الأنشطة النووية، ومحطات الطاقة النووية السلمية، والمفاعلات النووية الخاصة بالأغراض البحثية. وتنص المادة أيضًا على فرض عقوبات على من ينتهك أحكامها، مثل الاستخدام غير المصرح به أو نقل أو حيازة المواد أو المعلومات المتعلقة بالطاقة النووية. وإضافة إلى ذلك، ترى الولايات المتحدة أن رعاية برنامج نووي جديد في الشرق الأوسط قد يقوض جهودها في الحفاظ على التفوق النووي والتقليدي لإسرائيل في المنطقة. ولذلك يمكن أن تكون الصين هي الدولة الراعية المرشحة لرعاية البرنامج النووي السعودي لأسباب عدة أهمها: رغبتها في ترسيخ الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط لتنفيذ مبادرتها الحزام والطريق، وزيادة نفوذها كقوة صاعدة، وتقليص مساحة التواجد الأمريكي في المنطقة. إلا أن رعاية الصين للبرنامج النووي السعودي لا يعني أنها اتخذت موقفًا عدائيًا تجاه إيران، لأنه من الواضح أن الصين ترى بأن الانتشار النووي سيضمن المزيد من الاستقرار في الشرق الأوسط، وكذلك سيقلل من حدة المنافسة بين الرياض وطهران. وبذلك، تؤيد الصين الرأي الذي يتبناه كينيث وولتز، مُنظر العلاقات الدولية، بأن الانتشار النووي يساهم في تحقيق الأمن والسلام الدوليين. تمتلك الصين تجربة قوية كدولة راعية، تجعلها المرشحة الأكثر حظًا عند صانع القرار السعودي. فقد ساهمت الصين في مساعدة باكستان على تطوير برنامجها النووي، حيث زودت بكين إسلام آباد بالمواد اللازمة لصناعة سلاحها النووي الأول، مثل اليورانيوم عالي التخصيب وغيره من المواد الأساسية لتطوير برنامجها النووي. عسكرياً، ساعدت الصين باكستان أيضًا على تطوير الأنظمة الصاروخية من خلال نقل التكنولوجيا الصاروخية وأنظمة إيصال الأسلحة النووية. سياسيًا، دافعت الصين عن البرنامج النووي الباكستاني في الساحة الدولية، كونها ترى بأن باكستان لا بد وأن تُعامل على قدم المساواة مع الهند التي طورت برنامجها النووي خارج معاهدة منع الانتشار النووي. كما قامت الصين بحماية باكستان من العقوبات والانتقادات بسبب نشاطها النووي. تمتلك الصين سجلاً حافلاً من التعاون العسكري مع السعودية، لا سيما أنهما تشتركان في الرؤية الاستراتيجية للشرق الأوسط. يمكن إرجاع هذا التعاون إلى منتصف الثمانينيات، عندما شعرت السعودية بتزايد التهديدات في المنطقة، وسعت للحصول على صواريخ باليستية متوسطة المدى من الصين عبر صفقة سرية. هدف هذه الصفقة هو الحفاظ على توازن القوى وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، والتي مهدت الطريق لإقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية في التسعينات بين البلدين. تريد الصين توسيع نفوذها وتواجدها في الشرق الأوسط، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لها لأمن الطاقة ولحماية مصالحها الاقتصادية واستثماراتها وطموحاتها الجيوسياسية. ومن خلال مساعدة السعودية على تطوير برنامجها النووي، تستطيع الصين أن تكسب حليفًا مخلصًا وثقلاً موازنًا لطهران، التي تسعى أيضًا إلى الحصول على السلاح النووي. وهذه الرعاية المحتملة للبرنامج النووي السعودي تعكس رغبة الصين في تحقيق توازن الردع النووي وما ينتج عنه من استقرار. تسعى الصين من خلال رعاية البرنامج النووي السعودي إلى تحدي النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة ولتقويض تحالفات واشنطن مع شركائها الإقليميين، مثل إسرائيل ومصر والإمارات. فمن خلال تمكين السعودية من الحصول على الأسلحة النووية، تستطيع الصين خلق أزمة انتشار نووي من شأنها أن تزعزع استقرار المنطقة، بهدف الضغط على الولايات المتحدة لحملها على تقليص تواجدها والانسحاب من المنطقة. وهذا من شأنه أن يضعف مصداقية الولايات المتحدة ونفوذها في التفاوض مع إيران بشأن برنامجها النووي. ترغب الصين في تنويع مصادر التكنولوجيا والخبرة النووية لديها، فضلاً عن اختبار قدراتها في بناء المفاعلات والمنشآت النووية. فمن خلال تعاونها مع السعودية في مجال الطاقة النووية، تستطيع الوصول إلى رواسب اليورانيوم في المملكة، والتي تشير التقديرات إلى أنها تتجاوز 90 ألف طن، بحسب تصريح وزير الطاقة السعودي. مما يوفر لها ميزة تنافسية في مجال الطاقة النووية، وجاذبة للاستثمارات فيها. من الجانب السعودي، فإن الصين يمكنها المساهمة بشكل فعال في عملية تطوير ورعاية البرنامج النووي السعودي لعدة أسباب. أهمها هو رغبة السعودية في تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، لتطابق الرؤى بين البلدين حول المشاريع المشتركة، المتمثلة في دعم الصين لرؤية المملكة 2030، ودعم السعودية لمبادرة الحزام والطريق. ومن الأسباب أيضًا أن الصين تتمتع بخبرة طويلة في تطوير واختبار الأسلحة النووية، فقد أجرت أول تجربة نووية لها في عام 1964. ولأن الصين هي واحدة من الدول الخمس المعترف بها الحائزة للأسلحة النووية بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الوضع الذي منحها المكانة في النظام الدولي. فضلا عن أن السعودية لديها علاقات اقتصادية وتكنولوجية قوية ومتنامية مع الصين حيث تعد السعودية شريكاً اقتصادياً موثوقاً بالنسبة للصين كونها مورداً رئيسياً للنفط والغاز، ومصدر آمن للطاقة وهذا ما يفسر رغبتها في تحقيق الاستقرار في المنطقة من خلال دعم الطموحات النووية السعودية. أخيرًا، يجب أن نعترف بمحدودية وقصور التحليل النظري في تقييم الخيارات المتاحة لصانع القرار، لأنه يتعامل مع متغيرات وظروف مختلفة لا يمكن لأي نظرية أن تتنبأ بها أو تكشف عنها، لا سيما الطبيعة المعقدة للسياسة الدولية، والتأثير المستمر للتطورات الدولية على عملية صنع القرار. *ماجستير علوم سياسية – باحث في العلوم السياسية) Salanazias@gmail.com