ثمة اختبارٌ يواجهه كل مجتمع يُطرح عليه سؤال الحداثة: هل يُطلب منه أن يُنصف نساءه، أم يُطلب منه، باسم ذلك، أن يكفّ عن أن يكون هو؟ الخطاب السائد يُعامل السؤالين كأنهما واحد، لكنّ عشرة من أدقّ العقول العربية - من الشيخ الأزهري إلى الفيلسوف العقلاني، و من القاضي إلى المؤرخ السوربوني - أصرّوا على الفصل بينهما، كلٌّ من موقعه الخاص، من دون أن يشكّلوا مدرسة واحدة أو يتفقوا على تفصيل واحد، لم يرفض أحدهم إنصاف المرأة، رفضوا أن يتحوّل هذا الإنصاف غطاءً لإعادة تعريف المجتمع كله بمقاييس لم يشارك في صياغتها، فالعدل مبدأ لا خلاف عليه، أمّا تحويل المجتمع بأسره إلى نسقٍ يجب تفكيكه على صورة تجربة تاريخية أخرى، فذلك مشروعٌ أيديولوجي له نسبه الخاص، لا صكّ عبور تلقائي إلى كل سياق. حين لا يحتاج الإصلاح إلى الاستيراد: محمد عمارة (رحمه الله) أفنى عقوداً في إثبات أن الإسلام أقرّ للمرأة الذمة المالية المستقلة و الإرث و الرضا في الزواج قبل أوروبا بقرون، و أن الحركة النسوية الغربية ردّ فعل على إشكال أوروبي تحديداً - موقف الكنيسة، ثم استغلال الثورة الصناعية لليد العاملة الرخيصة - لا دواءً عاماً لكل مجتمع، فهمي هويدي، من موقعه الصحفي المؤثر، دافع بلا تردد عن كل إصلاح يرفع ظلماً واقعياً في قوانين الأحوال الشخصية أو سوء استخدام الولاية، لكنه رفض أن يصبح الإطار الغربي وحده مرجع الإصلاح، محمد سليم العوا أضاف البعد المنهجي: الشريعة تقليدٌ اجتهادي حيّ، توليد الإصلاح من داخله ممكنٌ بأدواته هو، لا باستعارة أدوات غيره، الثلاثة لا يتفقون على كل شيء، لكنهم يتفقون على هذا: أدوات الإصلاح موجودة أصلاً داخل الموروث نفسه، فالمشكلة ليست في الحاجة إلى تغيير - فهم أنفسهم يطالبون به - بل في الظنّ بأن هذا التغيير لا يبدأ إلا بشهادة ميلاد أجنبية. من يملك سلطة الفصل؟: طارق البشري (رحمه الله)، القاضي الذي تدرّج من الماركسية في شبابه إلى مشروع إسلامي-وطني ناضج، لم ير الصراع بين «الإسلاميين» و «العلمانيين» حرباً بين معسكرين، بل تيارين يجب أن يتصالحا داخل مشروع وطني واحد، و حين يُطبَّق هذا على قضايا المرأة، فالسؤال الذي يطرحه ليس «الداخل أم الخارج»، بل: من يملك سلطة الفصل أصلاً؟ عنده الجواب مؤسسي لا شعاراتي: القضاء و التشريع و علماء المجتمع، لا مرجعية تُملي من فوق الجميع، رضوان السيد نقل الحذر نفسه إلى الحقل الأكاديمي، و أعطاه اسماً دقيقاً: في كتابه «الجماعة و المجتمع و الدولة»، يتحدث عن «سلطة الأيديولوجيا» بوصفها الخطر الذي يتهدد أي إصلاح - سواء جاءت هذه الأيديولوجيا من تقليديين يجمّدون كل عرفٍ تاريخي في مرتبة النص المقدّس، أو من حداثويين يفترضون أن لا خلاص إلا بإطار مستورد بالكامل - الخطر عنده ليس في اتجاهٍ بعينه، بل في الأيديولوجيا نفسها حين تحلّ محل القراءة النقدية - من أي جهةٍ أتت، البشري يسأل من يملك حق الفصل، السيد يحذّر ممّا يصادر هذا الحق قبل أن يُمارَس. حين تتحوّل الحداثة إلى ميتافيزيقا مادية: عبد الوهاب المسيري (رحمه الله) انتقل بالنقاش خطوة إلى الوراء: لا التفاصيل القانونية، بل الأساس الفلسفي للحداثة الغربية نفسها، ميّز بين «علمانية جزئية» - فصل الدين عن الدولة مع صمتٍ إزاء القضايا النهائية - و «علمانية شاملة»: نزع القداسة عن الإنسان و الطبيعة، و تحويل العالم بأسره، بما فيه الأسرة و الحب و الأمومة، إلى مادة استعمالية تُقاس بمنطق النفع و القوة وحده، حين تُقرأ قضية المرأة من هذا الأفق الشامل، تتحوّل العلاقة بين الرجل و المرأة إلى صراع قوة محض، خالٍ من أي معنى يتجاوز المنفعة، نقد المسيري إذن لم يكن موجَّهاً إلى مطلب العدالة، بل إلى ميتافيزيقا مادية تُسقط من العلاقة إنسانيتها قبل أن تُسقط ظلمها. روح الحداثة لا صورتها؛ طه عبد الرحمن، في «روح الحداثة»، قدّم التفريق الأدق فلسفياً: بين «روح الحداثة» - قيمٌ كونية قوامها الرشد و النقد و الانفتاح - و «واقع الحداثة» كما تجسّد تاريخياً في تجربة أوروبا تحديداً، الحداثيون في العالم الإسلامي، كما يرى، لم يتحرّروا من التقليد، استبدلوا تقليد السلف بتقليد النموذج الغربي، من دون وعيٍ بنسبيّته التاريخية - و هذا، في نظره، تقليدٌ أشدّ خطورة من الأول، لأنه يُقدَّم باسم التحرر منه، كل أمّة، عنده، إمّا أن تصنع حداثتها من الداخل بوصفها فعلاً إبداعياً، أو لا حداثة لها أصلاً، بل نسخة، فاستيراد أحدث نظرية جندرية غربية بوصفها آخر صيحة في «التقدّم» ليس حداثةً بمعناه، بل هو بالضبط ذلك التقليد الذي يزعم تجاوزه. صوتان لا علاقة لهما بالتديّن: اللافت أنّ هذا الخط لم يقتصر على الإسلاميين، هشام جعيط (رحمه الله)، المؤرخ التونسي الذي تكوّن في السوربون و لم يكن يوماً صوتاً إسلامياً تقليدياً، رفض في «أزمة الثقافة الإسلامية» فرضيةً استشراقية ضمنية: أن تاريخ الحضارة الإسلامية نسخةٌ متأخرة من تاريخ أوروبا يجب أن تلحق بركبها، و أصرّ أن لهذه الحضارة منطقها الداخلي الذي يُقرأ بمفرداته لا بمفردات غيره، و من التاريخ إلى الفلسفة السياسية، أضاف عبد الإله بلقزيز - القادم من تقاليد عروبية يسارية لا إسلامية، و له نقدٌ صريح لكلا الخطابين التراثي و القومي في كتابيه «نقد التراث» و «نقد الخطاب القومي» - بعداً عالمثالثياً: حقّ مجتمعات الجنوب في صياغة حداثتها بإرادتها، لا كمشروعٍ تُملى شروطه و تُراقَب نتائجه من الخارج، صوتان لا علاقة لهما بالتديّن، و مع ذلك وصلا إلى الحذر نفسه. حتى العقلاني الأكثر علمانية بينهم: و ربما كانت الشهادة الأبلغ من أبعد نقطة عن الاصطفاف الإسلامي: محمد عابد الجابري (رحمه الله)، صاحب «نقد العقل العربي» - أكثر مشاريع الحداثة الفكرية العربية عقلانيةً و جرأةً في مساءلة التراث - لم يكن الجابري محافظاً يوماً، لكنه في «نحن و التراث» و «التراث و الحداثة» أصرّ على أن نهضة العرب لا تمرّ عبر قطيعةٍ كاملة مع تراثهم لصالح استيراد أطرٍ نقدية جاهزة، بل عبر «قراءة معاصرة» تُعيد بناء العقل من مادته هو، و لسنا هنا بصدد ادّعاء أن الجابري قال ما قاله عمارة، أو أنه ينتمي إلى معسكره، الفارق بينهما هائل، بل إن قيمة الاستشهاد به أنه وصل إلى نتيجة منهجية متقاربة عبر مقدمات مختلفة تماماً، فحين يصل العقلاني الأكثر علمانية في هذه القائمة، من موقعه هو تحديداً، إلى القاعدة المنهجية نفسها - لا نهضة تُبنى من الخارج للداخل - فتلك أبلغ شهادة على أن المسألة لم تكن يوماً دينية بالضرورة. سؤال واحد، لا نتيجة واحدة: هنا العمق الحقيقي: هؤلاء ليسوا مدرسة، و لا يتفقون على التفاصيل - المسافة بين عمارة و جعيط، أو بين طه عبد الرحمن و الجابري، هائلة فعلاً - لكن حين وصل كل واحدٍ منهم، من زاويته الخاصة جداً، إلى سؤال «من يملك حق تعريف مجتمعنا؟»، تقاربت أجوبتهم عند حدٍّ منهجي واحد لا عقائدي: أن تعريف المجتمع لا يُفرض عليه من خارجه، عشرة عقولٍ متباعدة تلتقي عند سؤالٍ واحد، لا عند نتيجة واحدة - و هذا وحده كافٍ ليكون دليلاً على أن القضية لم تكن يوماً «مع المرأة أو ضدها». اعتراضٌ يستحق أن يبقى مطروحاً: و هذا لا يعني أن الطرح خالٍ من نقاش، نقّادٌ من داخل الفكر النسوي العربي نفسه يسألون: أليست دعوى «الخصوصية» هي بالضبط ما استُخدم تاريخياً لتأجيل إصلاحات تطالب بها اليوم نساءٌ داخل هذه المجتمعات، لا جهات خارجية؟ و أين يمرّ الخط بين الدفاع عن حق المجتمع في تعريف نفسه، و بين جعل هذا الحق ذريعةً لحجب النقد عمّا لا يمكن تبريره إلا بإطالة أمد التقليد؟ سؤالٌ مشروع لا تُسكته حجّة العشرة، بل يظلّ، في كل جيل، موضع تفاوضٍ متجدّد. الاختبار الذي بدأنا به يبقى أن الاختبار الذي افتتحنا به - هل يُطلب من المجتمع أن يُنصف نساءه، أم يُطلب منه، باسم ذلك، أن يكفّ عن أن يكون هو - لم يجد عند هؤلاء العشرة جواباً واحداً، بل اعتراضاً منهجياً واحداً، و إن اختلفت أسبابه عند كل واحدٍ منهم: أن يُستعار تعريف العدل من خارج المجتمع، فالمجتمع الواثق من نفسه يكتب تعريف عدله بيده، و المجتمع الخائف من الحداثة هو من يستعير تعريفه من غيره و يسمّي ذلك تقدّماً، و لعلّ أخطر أشكال الهيمنة ليس احتلال الأرض، بل احتلال التعريف.