حفلات الزواج ... بين الاعتدال والاستعراض

ليس الزواج عقدًا ماليًا بين طرفين، ولا مناسبة عابرة تنقضي بانصراف المدعوين، بل هو من أقوى الروابط الإنسانية وأكثرها أثرًا في حياة الفرد والمجتمع، إذ تتأسس به الأسرة، وتتصل الأنساب، وتتجدد الأجيال، ويجد الإنسان فيه السكن والمودة والرحمة. ولهذا أحاطته الأديان والفلسفات بقيم عالية، وجعلته انتقالًا مسؤولًا من حياة الفرد الخاصة إلى عالم المشاركة والالتزام. لكن المفارقة المؤلمة - وإن شئت المُحْزِنَة - أن الاهتمام في بعض الزيجات لم يعد معنيًا بالحياة التي تبدأ بعد الحفل، بل أصبح مُنْصَبًّا على الحفل ذاته، من حيث حجمه، وقاعته، وعدد المدعوين ووجاهتهم، ونوعية الطعام، وجمال الديكور، واحترافية التصوير، والهدايا، والملابس، وما سيقال عنه في المجالس ومنصات التواصل الاجتماعي. حتى أمست ليلة الزواج هدفًا بحد ذاتها، بل أهم من الحياة الزوجية بأكملها، وأصبحت منصَّةً لإعلان مكانة الأسرة في السُلَّم الاجتماعي. وعِوَضًا أن تكون قوة اجتماعية مباركة، قوامها المودة والرحمة والمسؤولية، صارت بركانًا لتنفيس العُقَد الكامنة في أعماق العقل الجمعي. السوق في أصله وسيلة نافعة لتنظيم تبادل السلع والخدمات، لكنه يصبح خطرًا حين يتحول من أداة اقتصادية إلى مرجعية تحدد قيمة الإنسان وعلاقاته الاجتماعية. فعندما يمتد منطق السوق إلى حفلات الزواج، تبدأ القيمة الإنسانية في التحول إلى قيمة سعرية، ويصبح السؤال المتداول: في أي قاعة أُقيم الحفل؟ وكم عدد الحاضرين؟ وماهي نوعيتهم؟ ومن أشرف على تنسيقه؟ وهكذا ينتقل الزواج تدريجيًا من علاقة إنسانية هادئة إلى عملٍ اقتصادي باذخ. ويغدو الإنفاق، وكثرة المدعوين، ونوعيتهم دليلًا على المكانة. فأين الخلل؟ إنه لا يكمن في السوق ذاته، بل في إخضاع المجالات الأخلاقية والاجتماعية لمنطقه، حتى تصبح القيمة مساوية للسعر، وتتحول الفضائل إلى وسائل لإبراز المكانة والتسويق الاجتماعي، ومن هنا نفهم كيف تحولت بعض حفلات الزواج إلى شبكة علاقات عامة وقنوات للمباهاة والمفاخرة، وكيف غدت لدى بعض الناس معيارًا للحكم على مستوى العائلات. وعند مناقشة ارتفاع التكاليف، فإنه لا يمكن رد الظاهرة إلى سبب واحد، فهي نتيجة تفاعل عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية متعددة. أولها سلطة العرف الاجتماعي. فكثير من الأسر لا تُسْرِف لأنها راغبة في الإسراف، بل لأنها تخشى الانتقاد: ماذا سيقول الناس عنا إن اختصرنا الحفل؟ هل سيُفهم الاعتدال على أنه عجز أو بُخل أو تقليل من قدر العروس أو العريس أو كليهما؟ وهنا يتحول الناس إلى أسرى لتوقعات مُتَوَهَمة، مع أن كثيرًا من الآخرين يعانون الضغط نفسه، وثانيها التنافس الاجتماعي، إذ لا يمثل الحفل عند بعض الأسر شأن العروسين وحدهما، وإنما يصبح إعلانًا عن مكانة الأسرة واتساع علاقاتها وقدرتها المالية. ومن ثم تزداد قوائم المدعوين، ويُدعى أشخاص لا تربطهم بالعروسين علاقة وثيقة، خشية أن يؤدي عدم دعوتهم إلى حساسيات اجتماعية. غير محسوبة. وثالثها التضخم التجاري في صناعة المناسبات. فقد نبتت على ضِفاف حفلات الزواج سوق متكاملة تشمل: القاعات، والضيافة، والتنسيق، والتصوير، والزهور، والمنصات، والإضاءة، والهدايا، وخدمات التجميل، والفرق الشعبية، وجميعها أنشطة اقتصادية مشروعة، لكن سطوة السوق قد تربط الفرح بحزمة متزايدة من الكماليات، حتى تبدو الخدمات الاختيارية ضرورات لا يكتمل الحفل من دونها. أما العامل الرابع فهو التعويض النفسي وحب الظهور. وهنا أود الإشارة بأنه لا يصح تعميم هذا التفسير، لكن بعض مظاهر البذخ قد تكون محاولة لطلب الاعتراف الاجتماعي، أو إثبات القدرة على التفوق. فالإنسان قد ينفق أحيانًا لا ليستمتع بما يشتريه، بل ليصنع الصورة التي يريد أن يراه الناس عليها. قد يقال إن حفلات الزواج تُنَشِّط الاقتصاد، وهذا صحيح من زاوية معينة، فهي توفر دخلًا للقاعات والمطاعم والمصورين والمنسقين والعاملين في الأزياء والنقل والضيافة. لكن دوران المال في السوق لا يعني أن كل إنفاق هو رشيد أو متساوٍ في أثره التنموي. فإذا تم تمويل الحفل بالدَيْن، أو أدى إلى هدر الطعام، أو استنزف مدخرات الأسرة، أو حرم الزوجين من المسكن والاستقرار، فإن أثره الاقتصادي والاجتماعي يحتاج إلى موازنة. والمشكلة ليست في الإنفاق على الفرح، بل في تكلفة الفرصة البديلة: ماذا كان يمكن أن يحقق المال نفسه لو تم توجيهه إلى بيت الأسرة الجديدة، أو استكمال تعليمها، أو تمكينها من بناء مشروع منتج، أو صندوق للطوارئ؟ فالاقتصاد يخدم المجتمع، وليس مطلوبًا أن يخضع المجتمع كله لمنطق الاستهلاك. أدبيات الاقتصاد الاجتماعي تؤكد أنه ينبغي أن يبقى السوق جزءً من المجتمع لا أن يصبح المجتمع تابعًا له، وألَّا تمتد قيم السوق إلى مجالات تحكمها الكرامة والعدالة والواجب. إن تكلفة الحفل لا تقاس بما يدفع في تلك الليلة وحدها، بل بما يترتب عليها من آثار ممتدة. فالاقتراض من أجل مناسبة عابرة قد يجعل الزوجين يبدآن حياتهما تحت ضغط الأقساط، بدلًا من توجيه المال إلى المسكن، أو التأثيث الضروري، أو الادخار، أو التدريب، أو تأسيس مشروع يساعد العروسين على مواجهة أعباء الحياة المتزايدة. قد يتحول الضغط المالي إلى توتر نفسي وخلافات زوجية، خصوصًا عندما تختلف توقعات الطرفين أو تتحمل إحدى الأسرتين نفقات تفوق قدرتها. ولا يجوز القول إن ارتفاع تكلفة الحفل يؤدي وحده إلى الطلاق؛ فالاستقرار الزوجي أعقد من ذلك، لكنه قد يضيف عبئًا مبكرًا إلى مرحلة تحتاج أصلًا إلى التكيف والتفاهم. كما أن ارتفاع التكاليف تسهم في أحيانٍ كثيرة في تأخير الزواج. لماذا؟ لأن الشاب لا يحسب قدرته على تكوين بيت فحسب، بل يواجه قائمة طويلة من الالتزامات السابقة له. وكلما تدحرجت كرة الثلج، اتسعت الفجوة بين الرغبة في الزواج والقدرة المالية عليه. لقد انزلقت بعض حفلات الزفاف إلى مظاهر من التفاخر والاستعراض، حتى غدت أقرب إلى تصنيف الناس منها إلى الاحتفاء بهم. ومن أشد تلك المظاهر استغرابًا أن يُخصَّص للمهنئين مساران: أحدهما للعامة، والآخر لكبار الشخصيات (VIP)، وكأن قيمة المهنئ لم تعد تُستمد من صدق مشاركته، بل من مكانته الوظيفية أو الاجتماعية، مع أن الزواج في جوهره مناسبة تُزيل الحواجز بين الناس، لا أن تعيد بناءها، وما أبعد هذه الممارسة عن الهدي الإلهي، وما أقربها إلى ترسيخ الفوارق الاجتماعية. برزت في بعض المناطق ظاهرة جديدة: نشوء حفلٍ صغير في نفس الليلة إلى جانب الحفل الأهم، يتجمع فيه أقارب وأصدقاء العريس في صالة أخرى أو استراحة، ثم ينطلقون نحو صالة الحفل الرئيس بأرتال طويلة من السيارات نحو أهل العروس، رافعين أصوات المنبهات، مربكين السير، فما الهدف؟: إنه لإبراز حجم الجانب الذي فيه العريس أمام أهل العروس. لا تكفي خُطَب الوعظ، ولا المقالات، ولن يجدي لوم الأسر، ولن يُقْنِع التذكير بالتكاليف التي يتكبدها الاقتصاد الوطني، لأن الفرد قد يؤمن بالاعتدال، لكنه يعجز عن ممارسته منفردًا تحت سلطة المجتمع. ولذلك تتطلب المعالجة مسارات متكاملة، أهمها إعادة تعريف حفل الزواج الناجح، فنجاح الحفل ليس في كثرة المدعوين، أو نوعيتهم، أو ارتفاع الفاتورة، ولا في عدد التغطيات عبر حسابات من يُسمَّون بالمؤثرين، وكأن الزواج حدثٌ تسويقي أو مادةٌ للاستعراض الاجتماعي؛ بل في إعلان الزواج وإكرام الأقارب والأصدقاء من غير إسراف ولا تبذير، وبدء الزوجين حياتهما بلا مديونية مرهقة. ويمكن للعائلات أن تتفق طوعيًا على عددٍ محدد للمدعوين، فليس من المعقول أن يتحمل العروسان كلفة دعوة أشخاص لا يعرفان كثيرًا منهم. ولتبدأ القدوة من العلماء، والشخصيات الاجتماعية، والوجهاء، والأكاديميين، والمسؤولين، ورجال الأعمال، لأن إقامة المقتدر حفلًا معتدلًا تشجع غير المقتدر على الاعتدال. وبين أيدينا نماذج مضيئة تستحق أن تُذكر ويشاد بها. ومن أبهى هذه النماذج ما درج عليه الأستاذ المربي صالح بن عبد الله التويجري، المدير الأسبق للتعليم في منطقة القصيم وأحد أعيان مدينة بريدة، في تزويج كريماته. فعلى الرغم من مكانته الاجتماعية المرموقة، كان يقيم حفلات الزواج في منزله، ويجعل الدعوة بالتلفون، ومقتصرة على الأقارب والدائرة القريبة من العروسين بحدود ثلاثين شخص، مؤكدًا بسلوكه – هذا - أن قيمة المناسبة تتجلى في إعلانها اقتداءً بهَدْي النبي ﷺ. وأن رمزيتها تكمن باجتماع الأحبة، لا في اتساع الحضور أو مظاهر البذخ. وفي تقديري إن الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يدرك المجتمع أن الاعتدال ليس عجزًا، والبساطة ليست انتقاصًا، وقلة المدعوين ليست قطيعة. وأن أفضل هدية يقدمها الأهل للعروسين ليست حفلًا لتتحدث عنه الركبان، بل بداية آمنة يتذكرها الزوجان بالامتنان. فالزواج ميثاق حياة طويلة، لا ميدانًا للتنافس الاجتماعي؛ والفرح الصادق لا يقاس بما يستهلكه الزواج في ليلة واحدة، ولا بما يخلِّفه من قروض وأعباء مالية تمتد لسنوات، فتُرهق استقرار الزوجين، وتُثقل كاهلهما وكاهل أهلهما بوطأة الأعباء المالية، بل بما يتركه من سكينة واستقرار في السنين التالية. وقد اقترح الأستاذ عبد اللطيف الضويحي في مقالة – قَيِّمة - نُشِرَت في صحيفة عكاظ في 30 يونيو 2026م أن يصدر “تشريع حكومي يُعْتِق العروسين اجتماعيًا من مديونية العمر”. في الختام ليس المطلوب أن نقتل الفرح، ولا أن نحول الزواج إلى إجراء جاف بلا احتفال، وشبيه بالعزاء. فالاجتماع والوليمة والزينة والتعبير عن السرور كلها معانٍ جميلة، لكن المشكلة تبدأ حين تطغى الوسيلة على الغاية، وحين تصبح صورة الليلة القصيرة أهم من حياة العروسين المديدة.