أحمد عبيد.. وقصة مشروع إعلامي كبير.
قبل الحديث عن هذا المشروع الإعلامي الكبير- بل العملاق- الذي دام عاماً وبضعة أشهر، لا بد من إيراد نبذة عن سيرة السيد أحمد علي عبيد، صاحب فكرته وأحد مؤسسيه عام 1371 هـ، لتتضح للقارئ الخلفية التي يستند إليها. ولد بالمدينة المنورة عام 1334 هـ، وتلقى تعليمه الأول فيها. التحق بالوظيفة الحكومية في سن مبكرة جداً، ثم درس في مدرسة اللاسلكي في جدة وتخرج فيها عام 1349 هـ، أي في سن الخامسة عشرة. وأكثر ما يسترعي الاهتمام هو تنقله لاحقاً للعمل في أكثر من منطقة في المملكة، الأمر الذي أكسبه خبرة متنوعة وكبيرة. استهل مشواره الطويل مع العمل الحكومي بالعمل في برقيات الرياض، ثم الأحساء مدة عامين. كانت أولى المسؤوليات التي تولاها العمل مديراً للبريد واللاسلكي في ميناء القنفذة بأمر ملكي، حسبما ورد في العدد 43 من صحيفة “صوت الحجاز”، الصادر في 6/10/1351 هـ، الموافق 6/2/1933 م. وانتقل بعد ذلك للعمل مديراً للبريد واللاسلكي في أبها، ثم مديراً للزكاة فيها ومفتشاً لماليات وجمارك أبها وجيزان، وعاد بعدها إلى القنفذة للعمل مديراً لماليتها، ثم مديراً لمالية الظفير. ونقل بعد ذلك إلى وزارة المالية في مكة المكرمة مفتشاً في ديوان التفتيش ثم رئيساً لديوان الموظفين العام بالوزارة، ثم مفتشاً عاماً لماليات وجمارك الحدود الشمالية الشرقية فوكيلاً تجارياً في الكويت. وعاد بعد ذلك إلى المنطقة الشرقية للعمل أميناً عاماً لجمارك المنطقة الشرقية وعمل في مجال التجارة فيها بالإضافة إلى عمله، واختتم مسيرته الوظيفية بالعمل مديراً عاماً لمديرية الزراعة، حسبما نشر في صحيفة “البلاد السعودية”، في العدد 990، الصادر في 26 ربيع الثاني 1370 هـ، الموافق 4 فبراير 1951 م، أي قبل تأسيس وزارة الزراعة بثلاثة أعوام. وما ورد سابقاً من تنقل أحمد عبيد للعمل في خدمة الدولة في وظائف مختلفة وفي أماكن مختلفة في المملكة على مدى أربعة وعشرين عاماً- بين عامي 1349 و1373 هـ- يختزل مرحلة كفاح وجد واجتهاد تثير الإعجاب. وكل تلك الوظائف والمسؤوليات لم يكن لها صلة بالإعلام والصحافة، اللهم إلا إذا اعتبرنا اللاسلكي رافداً من روافد الإعلام؛ في وقت كانت وسائل الاتصال الحديثة في المملكة تخطو فيه خطواتها الأولى. وقد انتهى مشوار العمل الحكومي لأحمد عبيد، بعيد تأسيس وزارة الزراعة بفترة وجيزة جداً. كان أحمد عبيد خلال عمله مديراً عاماً لمديرية الزراعة قد أسس مع مجموعة من رجال الأعمال مشروعاً طباعياً ضخماً في جدة- “مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر”-؛ بعد الحصول على موافقة ولي العهد الأمير سعود- الملك سعود فيما بعد- في شهر جمادى الأولى 1371 هـ. ونشرت المؤسسة إعلاناً في جريدة “المدينة” في 13/5/1373 هـ، الموافق 18/1/1954 م، عن حاجتها إلى طلاب سعوديين من حملة الشهادة الابتدائية ليتعلموا في تسعة من أقسامها، بما في ذلك الطباعة على الآلات الأوتوماتيكية الحديثة والطباعة بالألوان والتصوير “العادي” والملون... وذكر في الإعلان أن مدة الدراسة ثلاث سنوات، يُدفع للدارس خلالها مائتا ريال في الشهر، و”يؤمن له السكن مجاناً في مساكنها”. خلال هذا الوقت صدر مرسوم ملكي بتأسيس وزارة الزراعة في 21 ربيع الثاني 1373 هـ، الموافق 21 ديسمبر 1953 م، وعين الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزيراً لها. وبعد قرابة أسبوعين- حسبما نشرت صحيفة “المدينة” في 13/5/1373 هـ- أقامت المديرية العامة للزراعة حفلاً تكريماً للوزيرين الجديدين، وزير المعارف الأمير فهد والأمير سلطان. وبعد فترة وجيزة استقال أحمد عبيد من العمل الحكومي. وذكر لاحقاً في مقابلة أجرتها معه جريدة “المدينة” في 8 ربيع الأول 1384 هـ، الموافق 17 يوليو 1964 م- أن الأمير سلطان خَيَّرَه بين المنصب الحكومي أو الصحافة. ومن هنا تبدأ قصة المشروع الطباعي والصحفي العملاق الذي بدأ بداية واعدة ومحلقة في السماء. مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر.. مشروع رأى بعض النور كان أحمد عبيد قبل تأسيس وزارة الزراعة بأشهر منهمكاً في الإعداد لإصدار مجلة أسبوعية مصورة تضاهي مجلة “المصور” المصرية ومثيلاتها، والتي كانت متطورة طباعياً وفنياً على نحو- ويا للمفارقة- أفضل مما أصبحت عليه في الستينيات والسبعينيات وما بعدهما. المجلة صدرت في جدة شهرياً- مؤقتا- باسم مجلة “الرياض”، وخرج عددها الأول من مطابع المؤسسة المالكة لامتيازها في شهر شعبان 1373 هـ، الموافق لشهر أبريل 1954 م. وكان امتياز اصدار المجلة “الرياض” قد منح قبل ذلك- عام 1372 هـ- للشيخ حمد الجاسر، ولكن- والقصة معروفة- استحوذ عليه الشيخ عبدالله بالخير، مستشار ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز حينذاك، والذي أصبح مديراً عاماً للمديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر، التي أسست بمرسوم ملكي صدر في شهر ذي القعدة 1374 هـ، الموافق لشهر يوليو 1955 م، الأمر الذي اضطر الجاسر إلى استخدام اسم بديل له وهو “اليمامة”. وكان استخدام المؤسسة لاسم “الرياض” لمجلتها على سبيل “الإعارة”. كانت المجلة نواة مشروع إعلامي كبير جداً في المملكة، وتستند إلى قوة مالية ضخمة متمثلة في شركاء مساهمين في المؤسسة من الشخصيات السعودية الاقتصادية ذات الوزن الثقيل جداً؛ وهم- حسبما نشرت المجلة في العدد 5/6، في ذي الحجة 1373 هـ- الشخصيات التالية: • وزير التجارة محمد عبدالله علي رضا وقت إنشاء المؤسسة- كان رئيساً للغرفة التجارية في جدة سابقاً- وأخوه علي عبدالله علي رضا، رئيس مجموعة شركات عبدالله علي رضا- رحمه الله. ومجموعة شركات عبدالله علي رضا كانت آنذاك أضخم شركة في المملكة بعد شركة أرامكو؛ إذا كانت الوكيل لشركة فورد في المملكة، ووكيل منتجات شركة وستنجهاوس وشركات أخرى عديدة. وبالإضافة إلى ذلك كانت تملك أسطول بواخر نقل عملاقة للبترول وللبضائع بنيت لها خصيصاً في ألمانيا، ووكيل لعدة شركات نقل بحري في المملكة ولشركات طيران عدة دول. وأخيراً وليس آخراً تملك شبكة ورش ضخمة في عدد من مدن المملكة وتشغل ميناء جدة. وكانت هذه الشركة من بين أكبر المعلنين في صحف ومجلات المملكة في السبعينيات الهجرية. ووالدهما عبدالله علي رضا الذي تحمل الشركة اسمه توفي عام 1932 م، وكان قائمقام مدينة جدة خلال العهد الهاشمي ثم السعودي، ونشر خبر وفاته في “صوت الحجاز”، بتاريخ 26/4/1351 هـ، الموافق 29/8/1932 م، وذكرت الصحيفة أن جلالة الملك عبدالعزيز كان في مقدمة المصلين عليه وأنه “شَرَّفَ بيت آل زينل معزياً ومواسياً لهم”. • كمال أدهم، خال عدد من أبناء الأمير فيصل- الملك فيصل فيما بعد- ومالك شركة عرين للمقاولات ووكالة عرين للسفريات، والشركة الهندسية العربية، المالكة لتوكيل سيارات مرسيدس بنز في المملكة، حسب إعلانات نشرت في أعداد السنة الثانية. • عبدالعزيز بن عبدالله السليمان، ابن وزير المالية الشيخ عبدالله السليمان، ووكيل وزارة المالية المساعد لشئون الشركات. • الشيخ محمد باحارث، رئيس مكتب وزير المالية ووكيل عدد من الشركات العالمية، ومن ضمنها وكالة شاحنات “ماك” في المملكة، وفيما بعد أصبح العضو المنتدب لمجموعة بن لادن للمقاولات. • حسن توفيق هاشم، أحد تجار جدة، ولم أتمكن من الحصول عن معلومات عنه. • ولا أستبعد أن يكون لمالكي شركة الزاهد وشركة باخشب باشا نسبة من أسهم المؤسسة، بحكم نشر المجلة وبشكل شبه منتظم إعلانات عديدة عن وكالات هاتين الشركتين وخدماتهما، وتقارير إخبارية مصورة عنهما. ولذلك فلم يكن مستغرباً أن تتمكن هذه المؤسسة التي زارها الملك سعود- رحمه الله- في 16 ربيع الأول 1373 هـ، الموافق 23 نوفمبر 1953 م، وافتتح مقرها ومطابعها في حفل كبير من شراء اثنتين وأربعين آلة طباعة مختلفة الأحجام من ماركتي هايدلبرج وفراكنتال؛ إذ لم تكن الإمكانات المالية ويسر الإنجاز والحصول على أفضل الخبرات الفنية تعوز المؤسسة، فضلاً عن بناء مقرات ضخمة للمطابع مع سكن للعمال ومستودعات للمؤسسة، ومحطة كهرباء خاصة بطاقة 200 كيلووات. وطبقاً لتحقيق مصور نشرته مجلة “المصور” المصرية في عدد خاص أصدرته عن المملكة في ديسمبر 1953 م، نشر في عدد منفصل عن عدد المجلة الأسبوعي، ورد فيه أن مطابع المؤسسة قادرة على طباعة 50 ألف نسخة من المجلة- مجلة الرياض- في الساعة. وأجرت المجلة مقابلة مع مدير عام المؤسسة أحمد علي عبيد ذكر فيه أن المؤسسة قررت القيام بالمشاريع التالية: 1- إصدار مجلة أسبوعية مصورة، 2- إصدار صحيفة يومية إخبارية، 3- افتتاح مكاتب في أوروبا والولايات المتحدة والباكستان والهند، 4- تعيين مراسلين ومتعاونين عبر العالم. وفي السنوات الخمس القادمة تعتزم المؤسسة القيام بالآتي: 1- تزويد المطابع بآلات طباعية بطريقة الأوفست والتصوير الضوئي، 2- إصدار صحيفة يومية باللغة الإنجليزية. وتضيف “المصور” بأن المؤسسة افتتحت مكتبين كبيرين في القاهرة وبيروت، وأنها اشتركت في خمس وكالات عالمية كبرى وستصلها أجهزة الاستقبال (تلبرنتر) قريبا. وأخيراً ذكرت أن المؤسسة تعاقدت مع الدكتور إبراهيم عبده، أستاذ الصحافة في جامعة القاهرة، للعمل مستشاراً لديها. وبالفعل، قدم هذا الأخير إلى جدة بعد ثلاثة أشهر، وذكرت صحيفة “البلاد السعودية” التي نشرت خبر وصوله في 27 رجب 1373 هـ، الموافق 1 أبريل 1954 م أنه “مستشار مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر”، وهو الشهر الذي صدر فيه العدد الأول من المجلة. الحديث عن هذه المجلة المصورة والمهمة يحتاج إلى مقال منفصل وأطول بكثير من حيز هذا المقال، وأكتفي بالقول إنه صدر منها ثلاثة عشر عدداً شهرياً، منها عددين مزدوجين- العدد 5/6 والعدد 10/11. واقتصرت ترويسة المجلة على اسمين فقط؛ وهما المدير المسؤول ومدير عام المؤسسة في الوقت نفسه أحمد عبيد ورئيس التحرير مدني بن حمد، الذي كان يعمل أيضاً في المديرية العامة للزراعة، مساعداً لمديرها أحمد عبيد، وقبل ذلك مديراً لماليات عدد من مدن جنوب المملكة؛ ولم أجد له في مجال العمل الصحفي إلا بعض المقالات في صحيفة البلاد السعودية عام 1369 هـ. وهنالك مسؤول ثالث لم يذكر اسمه في الترويسة، رغم حضوره الإعلامي البارز كأحد موظفي مديرية الإذاعة الذين كانوا يغطون زيارات الملك سعود وجولاته داخل المملكة وعدد من زياراته الخارجية، وهو عبدالله المنيعي، أحد خريجي الجامعات المصرية في أواخر الأربعينيات الميلادية- تخرج في كلية الشريعة بجامعة الأزهر عام 1969 م-، ومؤسس مجلة “الرياضي” فيما بعد؛ إذ ذكرت “البلاد السعودية” في ذي القعدة 1373 هـ- يوليو 1954 م- أنه “رئيس قسم البرامج والتنسيق في الإذاعة ومندوب الصحافة والإذاعة في رحلة الملك سعود إلى المنطقتين الشرقية والشمالية”. تحطم الحلم وخيبة أمل القراء والمثقفين فجأة، ودون نذر أو مقدمات تنبئ بقرب توقف المجلة وتصفية المشروع، توقفت مجلة “الرياض” بصدور عددها الثالث عشر في شهر رجب 1374 هـ، الموافق لشهر فبراير 1955 م. وكان العدد المذكور غنياً حد التخمة؛ بالأخبار والصور والتقارير الإخبارية والمقالات السياسية والأدبية والإعلانات. وأحدث توقف المؤسسة والمجلة صدمة في أوساط المثقفين، وقبل ذلك لدى محرك المؤسسة وأحد ملاكها السيد أحمد عبيد نفسه. وقد سألته صحيفة “المدينة” في مقابلة أجرتها معه في 8/3/1384 هـ، الموافق 17/7/1964 م- أي بعد عشر سنوات من توقف المجلة وبيع المؤسسة- عن أسوأ لحظة عاشها في حياته، فأجاب: “اللحظة التي تحطمت فيها مؤسسة الطباعة والصحافة والنشر وبيعت على تاجر بنصف قيمتها.. واللحظة التي انتقلت فيها والدتي إلى رحمة الله..”. ويقصد بالتاجر الثري المعروف حسن عباس الشربتلي. ومن ضمن ردود الفعل العديدة على توقف هذا المشروع انتقي اثنين؛ أولهما بضع سطور من حديث طويل لا يخلو من بعض السخرية بقلم الشاعر والأديب المعروف حسن عبدالله القرشي، الذي قال الآتي في زاويته الأسبوعية “سوانح وخطرات”- “البلاد السعودية”، في 30/3/1375 هـ، الموافق 16/11/1956 م: “في كلمة ماضية تحدثت عن مؤسسة الطباعة والنشر، وتساءلت هل هي جادة حقاً في مشروعاتها الثقافية التي أعلنت عنها أم أنها هازلة تسخر من عواطف القراء؟. وطلبت من المؤسسة الجواب ولكن الجواب ظل حائراً وصفعته الحقيقة المرة؛ ذلك أن المؤسسة سَخِّرَت بالفعل وهزأت بعقول القراء!. فقد انتهزت الفرصة السانحة وحجبت عن القراء مجلة الرياض لأنها كما أشاعت قد خسرت فيها ولم تربح، وهي مؤسسة تجارية يهمها الربح أولاً وقبل كل شيء؟ وهذا منطق معكوس فالربح يأتي بالتدريج ولا يأتي طفرة إلا لأثرياء الحرب، والعالم يعمل الآن للسلام كما يبدو فالحرب بعيدة وستظل بعيدة إن شاء الله”. والثاني بقلم كاتب كبير- حسب وصف “البلاد السعودية” وعدد من الكتاب الكبار له- يوقع عموده شبه المنتظم بحرف “ألف”، ويقول في عموده المنشور في 24/10/1375 هـ، الموافق 3/6/1956 م: “في الشهور الأولى لميلاد مجلة “الرياض” الغراء، وقبل أن تموت في مهدها- عام 1374 هـ- جعلها الله شفيعاً وذخراً للأستاذ أحمد عبيد- أعلنت المجلة عن مسابقة شعرية. وقد هممت أن أسابق الشعراء وأساهم في تلبية هذه الدعوة الموجهة من مجلة عزيزة علينا، ولكني تحسست أذني، فوجدتني ما زلت افتقد “الحَلَقْ” التي وعدنا بها الأستاذ أحمد عبيد، فعَزَفْتُ عن الاسهام في المسابقة... أما موضوع “الوعد الحق” فاسألوا عنه الأستاذ أحمد السباعي، فهو ضحية مثلي لوعود الأستاذ أحمد عبيد، إلا أن يكون قد استوفى حقه من وراء ستار!!. وعلى أية حال فمجلة الرياض الآن أهلٌ للترَحُم والتحدُث عن محاسنها...”. تلك سطور موجزة جداً عن المشروع الطباعي والصحفي بل والثقافي الكبير الذي لم يتجاوز عامه الثاني. أما الأستاذ أحمد عبيد- رحمه الله- فيبدو أنه كان قد استعد قبيل توقف المجلة وبيع المؤسسة للإقدام على مشروع صحفي طموح آخر؛ إذ انتقل للإقامة في القاهرة وأصدر “مجلة شهرية سياسية مصورة” حملت اسم “صرخة العرب”، خرج عددها الأول في يناير 1955 م، وكانت متميزة الإخراج وثرية في مواضيعها، لا تقل في حسن إخراجها وثراء مواضيعها وجودة طباعتها عن مجلتي “المصور” و”آخر ساعة” المصريتين، اللتين كانتا- كما ذكرت سابقاً- كانتا أرقى إخراجاً وطباعة من المجلات التي صدرت في مصر منذ مطلع الستينيات وما بعد. ومن المثير للاهتمام نشر مجلة “الرياض” في عددها الأخير المشار إليه أعلاه عن عودة “.. الأستاذ أحمد عبيد بمعية سمو ولي العهد الأمير فيصل بعد أن قضى في مصر خمسة أشهر قام فيها بالكثير من الجهود الموفقة في خدمة بلاده وخدمة العروبة وفي مقدمتها إصدار مجلة “صرخة العرب”...”. ولاحقاً، توقفت المجلة- “صرخة العرب”- بصدور العدد العاشر في شهر نوفمبر من العام نفسه. ومن تصفح أعدادها لا استبعد مساهمة الشيخ كمال أدهم في تمويلها، حيث نشرت عدداً من الإعلانات عن شركته “عرين” و”الشركة الهندسية العربية” وكيلة مبيعات سيارات مرسيدس في المملكة. ويعود توقف صدور المجلة إلى التعثر في تمويلها، وترتب خسائر على صاحبها، حسبما ذكر ذلك في حفل تكريمه في “إثنينية” عبدالمقصود خوجة بتاريخ 28 مارس 1983 هـ. وكأني بصاحب فكرة هذا المشروع الإعلامي الثقافي الذي توقف فجأة ودون مقدمات، يردد وهو في طريقه إلى القاهرة لبدء مشروع آخر قول حافظ إبراهيم: لا تَلُمْ كَفي إذا السَيفُ أبى صَحَّ مني العزمُ لكن الدَهرَ أبى ولاحقاً، في منتصف عام 1380 هـ، مُنح السيد أحمد عبيد امتياز إصدار جريدة يومية اسمها “الشعب”، حسبما ورد في خبر نشرته صحيفة “عكاظ”، بتاريخ 25/8/1380 هـ، الموافق 11 فبراير 1961 م. ولكن الصحيفة لم تصدر. وبالنسبة لاسم الصحيفة- “الشعب”- فقد كان لأحمد عبيد عمود شبه منتظم- ينشر في الصفحة الأولى من جريدة “الندوة”، بهذا العنوان؛ وغُيِّرَ عنوان العمود الذي يشبه افتتاحية الصحيفة إلى “رأي من الشعب”، بناءً على اقتراح الأمير فيصل. وقبل ذلك، بثلاث سنوات- عام 1379 هـ-، كانت صحيفة البلاد تنشر له عموداً في مكان بارز من صفحتها الأولى بعنوان “صراع المبادئ”. وتبقي تلك المحطات من حياة السيد أحمد عبيد علامات لها أهميتها في مسيرة الإعلام والثقافة في المملكة. وكان من بين اسهاماته لاحقاً عضويته في المجلس التنفيذي لجامعة الملك عبدالعزيز فترة تأسيسها، حينما انتخب عضواً فيها مع أربع شخصيات بارزة وهم عبدالله عريف ووهيب بن زقر وأحمد شطا وعبدالله الدباغ، ثم انتخب نائباً لرئيس اللجنة التأسيسية للجامعة التي تشرفت برئاسة الملك فيصل لها، طبقاً لصحيفة “المدينة”، في 7/5/1384 هـ، الموافق 13/9/1964 م. وبعد ذلك التاريخ بعشرين عاماً، انتقل أحمد عبيد إلى جوار ربه، في اليوم الرابع من شهر رمضان 1414 هـ، ودفن في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.