نهاية الأسطورة .. بين الهديَّة المسمومة والنقص الخلاَّق.
لطالما قدم الناقد محمد العباس قراءات فلسفية ونقدية عميقة في الأدب والسينما وكرة القدم، مستكشفا ما وراء الظواهر وما تنطوي عليه من دلالات إنسانية وجمالية. وخلال بطولة كأس العالم، كتب العباس مقالا عن كريستيانو رونالدو، ثم عاد مع ختام المونديال ليكتب مقالا آخر عن ليونيل ميسي. وفي المقالين معا، يقرأ الكاتب الفصل الأخير من أسطورتي اللاعبين من زاوية فلسفية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. ويسعدنا أن ننشر المقالين معًا تحت عنوان واحد وضعه الكاتب: «نهاية الأسطورة… بين الهدية المسمومة والنقص الخلّاق». ميسي.. ابتلاع الهدية المسمومة. كان اعتزال ليونيل ميسي بعد تتويجه بكأس العالم في قطر عام 2022 سيمنحه نهاية مكتملة الأركان، فقد حقق الحلم الأكبر في مسيرته وغادر القمة في ذروة المجد. إلا أن قراره بمواصلة المشوار حتى كأس العالم 2026 قاده إلى ابتلاع هدية مسمومة. اختار الانتقال إلى إنتر ميامي وابتعد عن نسق المنافسة الأوروبية، وهو خيار رآه كثيرون أقل تحديًا من الاستمرار في القارة العجوز. هذا المسار منحه راحة بدنية، وغرس في الوقت نفسه قناعة بإمكانية بلوغ مجد جديد عبر طريق أقل وعورة. جاءت البطولة حاملة ظروفًا خدمت المنتخب الأرجنتيني في مراحلها الأولى. أوقعت القرعة منافسين بعيدين عن الصف الأول عالميًا، وتزامنت مع قرارات تحكيمية أثارت جدلًا واسعًا. هذا المشهد منح خصوم ميسي مساحة كبيرة للتشكيك في عدالة المنافسة، ورسخ شعورًا بأن البطولة فقدت جزءًا من صورتها النقية. تعدد الوقائع المثيرة للجدل صنع رواية موازية للنتائج، ورسخ الشكوك في أذهان قطاع واسع من المتابعين. وامتد الجدل إلى سلوك المنتخب الأرجنتيني داخل الملعب. ارتفع منسوب التوتر، وتصاعدت الخشونة، وتكررت الاحتجاجات والاستفزازات. هذه المظاهر صنعت انطباعًا متزايدًا لدى شريحة واسعة من المتابعين والإعلام الرياضي بأن المنتخب خسر المعركة الأخلاقية قبل خسارة الكأس. ومع استمرار التساهل التحكيمي في نظر كثيرين، تراجعت مساحة التعاطف مع المنتخب، وأحاطت به هالة سلبية انعكست على صورة قائده وإنجازه الفردي. وفي خضم هذه الأجواء، واصل ميسي التأكيد أن اهتمامه ينصب على الفريق، بينما كرست التغطية الإعلامية معظم اهتمامها لأهدافه الثمانية وأرقامه القياسية. هذا التناقض بين الخطاب والرواية الإعلامية غذّى شعورًا بأن صناعة الأسطورة تجاوزت حدود الأداء داخل الملعب. وتحولت المقارنات مع بيليه ومارادونا ورونالدو إلى قضية محسومة في نظر كثيرين، وتحولت البطولة إلى منصة تتويج أخيرة لبطل واحد. وجاء النهائي أمام إسبانيا ليحمل الامتحان الحاسم. انتهى أثر القرعة، وانتهى تأثير الضجيج الإعلامي، وبدأت المباراة بلغة كرة القدم وحدها. فرض المنتخب الإسباني شخصيته منذ الدقائق الأولى، وأحكم سيطرته على مجريات اللقاء، وعزل ميسي عن مصادر الخطورة، ومنع الأرجنتين من صناعة فرص حقيقية. ثم جاء طرد إنزو فيرنانديز ليضاعف معاناة المنتخب، قبل أن يحسم فيران توريس النتيجة بهدف منح إسبانيا اللقب، وأغلق صفحة الرواية التي رفعت ميسي فوق حدود النقد. خرج ميسي من البطولة بصورة مغايرة للصورة التي سعى إلى ترسيخها في ختام مسيرته الدولية. ظهر قائدًا مهزومًا لفريق فقد جانبًا كبيرًا من تعاطف الجماهير بسبب سلوكه داخل الملعب. وترسخ في أذهان كثيرين أن الطريق الميسر والجدل التحكيمي والخشونة المتكررة أضعفت القيمة المعنوية للإنجاز، مهما بلغت قيمة الموهبة الفردية. وسيواصل كثيرون اعتبار ميسي أحد أعظم لاعبي التاريخ، مستندين إلى رصيده الاستثنائي وإنجازاته الممتدة عبر سنوات طويلة. وفي المقابل، يحمل هذا المونديال سؤالًا سيبقى حاضرًا في الذاكرة الرياضية. كم أسهمت الظروف المحيطة في صناعة الرواية التي رافقت هذا المشوار؟ لقد ابتلع ميسي الهدية المسمومة. منحته طريقًا أقصر نحو حلم جديد، وبخطفة مباغتة انتزعت منه الصورة التي أرادها لوداع اللعبة. حملت الخسارة معنى يتجاوز ضياع الكأس، ورسخت جدلًا سيبقى حاضرًا كلما عاد الحديث إلى الفصل الأخير من مسيرته الكروية. النقص الذي أنقذ كريستيانو من عبادة نفسه. لا يختبر القدر العاديين. إنه ينتظر العظماء حتى يوشكوا على ملامسة الكمال، ثم يترك فيهم ثغرة واحدة لا تندمل. وفوق كتفي كريستيانو رونالدو استقرت تلك الثغرة، كما تستقر الندبة على وجه تمثال لا يشيخ. كانت حياته محاولة متواصلة لإثبات أن الإرادة تستطيع إعادة كتابة قوانين الطبيعة. حارب الزمن كما لو كان خصماً في الملعب. روّض الجسد حتى بدا أنه خرج من حدود البيولوجيا. حوّل الانضباط إلى عقيدة والعمل إلى قدر حتى غدت سيرته احتجاجاً دائماً على فكرة الحدود. وكلما اعتقد الناس أن النهاية اقتربت عاد ليؤجلها وكأنه يخوض مباراته ضد الفناء أكثر مما يخوضها ضد خصومه. ثم وقف أمام كأس العالم. وكانت تلك اللحظة التي صمتت فيها الإرادة، ونطق القدر. كتبت رويترز: «رغم كل أرقامه، لم يستطع رونالدو فك شفرة كأس العالم». في هذه العبارة تختبئ مفارقة تتجاوز كرة القدم. يستطيع الإنسان أن ينتصر على منافسيه وأن يهزم التعب وأن يتجاوز ما ظنه الآخرون مستحيلاً ثم يجد نفسه أمام باب لا يُفتح إلا إذا وافق القدر. كل عظيم يحمل تصدعاً يطارده. ذلك التصدع يمنح العظمة معناها الأعمق. فالسيرة التي تبلغ تمامها تتحول إلى نصب رخامي صامت. أما السيرة التي تحتفظ بأثر مبتور فتظل نابضة بالحياة لأن الأسئلة لا تموت. الامتلاء المطلق يترك وراءه إعجاباً عابراً. أما الغياب فيترك أثراً يستدعي التأمل الطويل. كان إميل سيوران يرى أن النقص ينقذ الإنسان من عبادة نفسه. وعند إسقاط هذه الفكرة على رونالدو تنكشف طبقة أعمق من المأساة. فقد عُرف طوال مسيرته بسعيه الدائم إلى تجاوز الإنسان في داخله عبر العمل والانضباط والإرادة. وكأن القدر حجب عنه الكأس حتى يحول دون اكتمال صورته. وربما كانت تلك الثغرة ضرورة وجودية أكثر من كونها خسارة رياضية. فالتصدع يغدو كبحاً تراجيدياً لجبروت الإرادة الإنسانية. ويبقى صاحبه إنساناً في قلب الأسطورة. فالأساطير المغلقة تنتهي عند لحظة إحكامها. أما الأساطير التي تحمل ندبة فتظل قابلة لإعادة القراءة مع كل جيل. ومن هنا تلتقي حكايته مع الحساسية الجمالية عند شارل بودلير. كان يبحث عن الجمال في التوتر بين المثال والزوال وبين ما يشرق وما يتداعى. فاللامكتمل يمنح الأشياء عمراً أطول من الكمال. وتتجلى هذه اللحظة البودليرية في ذلك المشهد المهيب. دموع رونالدو في الممر الضيق المؤدي إلى غرف الملابس بعد ليلة الإقصاء. كما باحت بذلك تضاريس وجهه. في ذلك الممر المعتم انهار المثال الصارم وظهر الإنسان بكل هشاشته. تلك الدموع وذلك الجسد المنهك شكلا الشق الصغير في التمثال. ومن خلال ذلك الشق دخل الزمن إلى الأسطورة وسكنت الذاكرة فيها. ولهذا نعود إلى تلك الصورة مرة بعد أخرى. لو عاد رونالدو من كأس العالم بالكأس لانغلقت حكايته كما تنغلق الدائرة. وكان التاريخ سيمنحه خاتمة سعيدة ثم يطوي الصفحة الأخيرة. أما اليوم فقد بقيت الصفحة مفتوحة. وبقي سؤال واحد يرافق اسمه أكثر من كل أرقامه. كيف استطاع رجل أن يهزم حتمية الزمن ثم يعجز أمام الصدفة؟ يمثل الزمن تلك الحتمية البيولوجية القاسية التي استطاع رونالدو ترويضها بعبقرية الانضباط. وتمثل الصدفة ذلك العنصر المنفلت الذي يتشكل في تفاصيل مباراة واحدة وفي ارتداد كرة وفي لحظة لا تخضع للحساب. انتصر على الجسد وانتصر على الوقت وانتصر على حدود الطاقة البشرية. ثم وجد نفسه أمام عالم لا تعترف قوانينه بالإرادة وحدها. عالم يحكمه الاحتمال كما يحكمه الجهد. خرج رونالدو من المونديال محملاً بكل ما يمكن لإرادة بشرية أن تنتزعه من مخالب الفناء. وترك خلفه تلك الكأس العصية. غيابها منح إرثه بعده التراجيدي ومنح حكايته خلودها. فالذاكرة البشرية يصيبها الملل من النهايات الكاملة. وهي تعود دائماً إلى الحكايات التي تركت سؤالاً مفتوحاً وإلى الأبطال الذين حملوا معهم ثغرة واحدة لا تندمل.