مشهد واحد… وروايات متعددة.

في الكثير من الأحداث يقف الناس بين طرفي نقيض؛ لأننا نعيش في دوائر متعددة من الاختلاف. وهذه طبيعة الحياة وعليها جُبِل البشر، ولكن كيف ينشأ الخلاف في الدوائر الصغيرة؟ في نفس المنزل، وفي نفس الأسرة؟ كيف تتشكل لدينا روايات متعددة حول مشهد واحد، ونحن ننشأ في بيئة واحدة؟ ونعيش خبرات متقاربة؟ وأنا هنا لا أتحدث عن الأمزجة والأهواء، وإنما أتحدث عن القضايا التي تصل إلى حد الاتهامات والتخوين والتشكيك، عن الأحداث التي ينقسم فيها الناس بين من يرى الأفضلية المطلقة وبين من يرى السوء والشناعة. ولأن أسباب هذا الاختلاف عديدة ومتشعبة، سأقتصر هنا على بعض آليات الذهن وتأثيرها في قراءتنا للمشهد. تشرع هذه الآليات مع كل حدث في ترتيب الوقائع وربطها، حتى تستقر على رواية واحدة تنسجم مع قناعاتنا. على سبيل المثال حين يكون الإنجاز استثنائيًا، فإن بعضنا يرفض التفسيرات البسيطة؛ يأبى أن يكون الأمر مجرد جدٍّ واجتهادٍ وشيءٍ من التوفيق، مما يدفعه إلى البحث عن سبب عظيم يوازي استثنائية هذا الإنجاز، وكأن كفّة السبب في ميزان القناعة تحتاج إلى ثقل يماثل حجم النتيجة. الرجل فاحش الثراء يجب أن يكون لصاً بارعاً، اللاعب الفذ يجب أن يكون متعاطياً، المنصب الذي حصل عليه أحدهم خلفه واسطة كبيرة، فليس من المقنع أن يحقق الأول ثراءه بالتجارة وحدها أو أن تكون الموهبة والتدريب وراء تفوق الثاني أو أن يصل الثالث إلى منصبه لأنه كفؤ. وهذا ما يعرف في علم النفس المعرفي بتحيز التناسب، وهو الميل إلى الاعتقاد بأن النتائج الكبيرة لا تولد إلا من رحم أسبابٍ كبيرة. وعندما يستقر تصور ما في تلافيف هذه الأذهان، فإنها لا تحتكم إلى المنطق والشواهد بحيادية تامة، وإنما تشرع في جمع التفاصيل المتفرقة التي تدعمه بشكل أو آخر وتربطها حتى ترسم مشهدًا متكاملًا يعكس القناعة الراسخة فيها، متسلحة بقدراتها المدهشة على اكتشاف الأنماط، وهي قدرة لا غنى عنها لفهم العالم من حولنا، لكنها قد تدفعنا في بعض الأحيان إلى رؤية روابط لا تدعمها الأدلة، أو حتى خلقها من العدم. وهذا ما يسمى في علم النفس بوهم إدراك الأنماط. ولا تكتمل فصول الرواية دون وجود شخص أو جهة تقف وراء الحدث؛ فالمهارة، والتدريب، والظروف، والعمل الجاد، كلها عوامل غير كافية، ولا توازي وجود قوة خفية تسيّر الأمر وفق إرادتها، وتتحكم في خيوط اللعبة. ومن أغرب طقوس كتابة القصة، ومما يجعلها أشد رسوخًا وأكثر ثباتًا، النظر إلى الأدلة بعينين مختلفتين؛ فما ينسجم مع الفكرة يلفت الانتباه، ويستقر في الذاكرة، ويبرز في الحوار، ويصبح دليلًا قاطعًا، بينما تتوارى الأدلة المخالفة في ركن قصي من الذاكرة، وإن لزم الأمر أُوِّلت أو أُنكرَت أو سُفِّهت، المهم أن تبقى أضعف من أن تقف ندًا للأدلة الداعمة. ويُعرف هذا في علم النفس بالانحياز التأكيدي. ولو تأملنا كثيرًا من الخلافات في الرياضة، والسياسة، والدين، والفن، لرأينا هذه الآليات الذهنية بشكل واضح وبدرجات متفاوتة. ومن الصعب جدًا التخلص من هذه الانحيازات، فهي جزء أصيل من طبيعتنا، ولكن يمكننا على الأقل أن نسعى إلى الحد من تأثيرها قدر الإمكان: أن نمنح الأدلة التي تخالف قناعاتنا قدرًا من الاهتمام يوازي الأدلة التي تؤيدها، أن نشك قليلًا في الرواية التي تكتبها عقولنا، أن نترك الباب مواربًا لروايات أخرى.