الجليس الذي يُطريك.

قبل أن يُعرَف الذكاء الاصطناعي بأحد عشر قرنًا، مدح أبو عثمان الجاحظ أعزّ جلسائه فقال: «الكتاب هو الجليس الذي لا يُطريك، والصديق الذي لا يُغريك، والرفيق الذي لا يملّك .. ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب». كان يمدح الكتاب، وكأنه وضع لنا - دون قصد - قائمة فحصٍ أخلاقية لكل جليسٍ معرفيّ يأتي بعده. واليوم، إذ يجلس ملايين البشر إلى جليسٍ ذكيّ - «شات جي بي تي» أو «كلود» أو غيرهما - غير الذي عناه المتنبي بقوله: «وخيرُ جليسٍ في الزمان كتابُ»، يحسن بنا أن نمرر ورقة الجاحظ على هذه الصناعة الذكية بندًا بندًا: هل تُطري؟ وهل تُغري؟ وهل تحتال بالكذب؟ والملاحظ لمن تعامل معها أن الآلة ترسب في عدد من البنود: تُخطئ، و»تهلوس» فتختلق ما لا وجود له، بل تُطري مستخدمها وتجامله بما يشتهي سماعه. ومن تجربتي معها، أدركت أنها تحتاج منك أن تكون حاضرًا معها كظلّها في كل جزئية تكتبها، مهما بلغت دقة أوامرك ومهما أعدت صياغتها. يعيش عالمنا اليوم أكبر تحدٍّ أمام موجات الذكاء الاصطناعي، يتجلى في الأسئلة الأخلاقية والمهنية لاستخدام هذه النماذج في حقول المعرفة؛ فهي لم تترك دائرة اهتمام للبشر إلا دخلتها من أوسع أبوابها، وأشدُّ ما يغري فيها إنجازها السريع وقدرتها الهائلة على التعلم. وأعود إلى قائمة الجاحظ فأسأل: هل تُخرج أخطاءُ الذكاء الاصطناعي و»هلوساته» تلك النماذجَ من دائرة «خير جليس»؟ أم أن ما يقع منها يقع مثله - وإن تفاوت القدر - في عالم الكتب نفسه، من تصحيفٍ وانتحالٍ وأخطاء طباعة، وأن العبرة ألا نغيّب عقولنا، سواء قرأنا كتابًا أو أخذنا معلومة من نموذج ذكي؟ أكتب ذلك وفي رأسي مفهومٌ سطع نجمه في الغرب: «الإنسان في الحلقة» (Human in the Loop)، ومقتضاه ألا تُترك الآلة تعمل وحدها، بل يبقى الإنسان حاضرًا يراجع ويصحح ويقرر. فهل يعزز هذا المفهوم ثقتنا في أنفسنا، فنتعاطى مع الذكاء الاصطناعي بطمأنينة أكبر؟ أم أن نماذجه لن تضحي يومًا مثل الكتاب، الذي من عادته أن يقدم المعلومة الدقيقة المرتهنة لمراجع وتحقيقاتٍ شاقة، بذلها - على وجه الخصوص - جيل الروّاد في الأدب والثقافة والمعارف الإنسانية؟