في محايل عسير ..

صناعة المعنى للفلسفة والأدب تدشن سلسلة " بيادر السؤال "

دشّنت جمعية بيادر للفلسفة والأدب والدراسات الثقافية مساء الاثنين 20 يوليو 2026م أولى لقاءات " سلسلة بيادر السؤال:" الفلسفة في أفق المعنى والإنسان»، بمحاضرة بعنوان «صناعة المعنى» قدّمها الدكتور شايع الوقيان، وأدارها الدكتور أحمد ملبس عسيري. وافتتح اللقاء رئيس الجمعية الدكتور إبراهيم عامر، مرحبًا بالضيف والحضور، ومثمّنًا تلبية الدكتور الوقيان للدعوة رغم تعدد التزاماته العلمية والثقافية، ومؤكدًا أن السلسلة تأتي امتدادًا للحراك الفلسفي في المملكة، وتسعى إلى توسيع فضاءات السؤال والحوار وربط الفكر الفلسفي بقضايا الإنسان والثقافة. عقب ذلك، استعرض مدير اللقاء السيرة العلمية والفكرية للضيف، وأبرز إسهاماته في التأليف والترجمة والعمل الثقافي والمؤسسي، قبل أن يقدّم تمهيدًا لموضوع المحاضرة وسياقه في تاريخ الفلسفة. وتناول الوقيان العلاقة بين المعنى والماهية والوعي القصدي، مميزًا بين الماهية بوصفها ما يُبحث عنه في الشيء، والمعنى بوصفه ما يتشكل في علاقة الوعي بذلك الشيء داخل موقف وتجربة وسياق محدد. كما طرح سؤال إمكان الحديث عن ماهيات للأفكار، مفرقًا بينها وبين الموجودات الفيزيائية، ومشيرًا إلى أن الأفكار تحضر أساسًا بوصفها معاني تتشكل في الوعي وتتحول بحسب السياق والتأويل. ويمكن تلخيص أطروحته في أن المعنى ليس صفة جاهزة مودعة في الأشياء، ولا اختراعًا فرديًا حرًا من كل قيد؛ بل بناء قصدي يتشكل في الوعي، ثم يكتسب قابلية التداول والمراجعة داخل فضاء بين ذاتي تسهم فيه اللغة والتراث والسياق والواقع. وبذلك تكون صناعة المعنى، في تصوره، صناعة مشروطة لا اختلاقًا من العدم. وشهد اللقاء مداخلات متعددة؛ إذ ناقش الدكتور أحمد آل مريع مسألة ثبات الماهية وصلتها بالوعي والتحول، بينما طرح الدكتور محمد آل ناهض إشكالية حدود صناعة المعنى، مستدلًا بالمفارقة بين تنظير جان جاك روسو للعدالة وممارسته الشخصية، ومتسائلًا عما قد ينشأ عن المعنى الذاتي من تزييف للوعي. كما استحضر إبراهيم هجري مقولة الجاحظ: «المعاني مطروحة في الطريق»، متسائلًا عن إمكان الجمع بين كون المعاني مطروحة وكونها مصنوعة. وأوضح الوقيان أن تداول المعاني لا ينفي صناعتها، لأنها تتشكل داخل الوعي البين ذاتي، وتستمد مادتها من السياق والتراث والواقع. وناقشت مي الناهض العلاقة بين ماهيات الموجودات وماهيات الأفكار، فيما تناول سعد الشهري أزمة المعنى في سياق ما بعد الحداثة. وأشار أحمد الطائر إلى تضخم المعلومات وتآكل الدلالة، فرأى الوقيان أن أزمة العصر لا تتمثل في عجز الإنسان عن إنتاج المعنى، بل في فقدان بعض المعاني لشرعيتها وقدرتها على الإقناع في ظل تراجع المرجعيات الجامعة وتكاثر المعلومات. وطرح لاحق العاصمي سؤال المعنى الأدبي، ودور الأديب والقارئ في إنتاج دلالة النص، مستشهدًا بأدب دوستويفسكي. وأشار الضيف إلى أن مناهج التلقي والتأويل الحديثة منحت القارئ دورًا فاعلًا في بناء الدلالة، ولم تعد تحصر معنى النص في قصد المؤلف وحده. وناقش الدكتور حسين المرحبي تطور مفهوم المعنى لدى كانط وهوسرل وفوكو، والفرق بين المعنى والمفهوم، فيما أثار الدكتور عبدالرحمن المحسني سؤال فلسفة المكان، وأثر البيئة والذاكرة المحلية في صناعة المعنى، ومدى قدرة محايل عسير على احتضان مشروع فلسفي وثقافي متنامٍ. وفي ختام الأمسية، جدد رئيس الجمعية شكره للضيف والحضور والمشاركين، ودعا إلى تحويل المحاضرة إلى ورقة مكتوبة تُضم إلى بقية لقاءات السلسلة في إصدار ثقافي يوثق أعمال «بيادر السؤال» ويحفظ ما تتيحه من نقاشات معرفية حول الإنسان والمعنى والفلسفة.