إحدى أقدم التجمعات البشرية في الجزيرة العربية ..

سدوس.. مدرسة نجد في العمارة الدفاعية .

سدوس.. قرية سعودية تشتهر بأنها أحد أقدم التجمعات البشرية التي عرفتها المملكة والجزيرة العربية، وهي تقع على مسافة على قريبة العاصمة الرياض، وتخضع لأعمال ترميم تستهدف استعادة صورتها القديمة وحماية ما بقي من آثارها وتراثها المعماري. وقد حظيت القرية وعمارتها وتحصيناتها القديمة، ومعالمها ومن عاش فيها من علماء وشعراء ومؤرخين باهتمام كبير من قبل الرحّالة والمستشرقين قديما، وتواصل ذلك الاهتمام اليوم من قبل الباحثين العرب والأجانب. ومن بين الدراسات الحديثة التي تناولت معالم وآثار سدوس، تلك الدراسة التي تناولت التحصينات الدفاعية التي عرفتها القرية، والتي جاءت في كتاب حمل عنوان “سدوس وتحصيناتها الدفاعية: دراسة تاريخية – أثرية – معمارية”، وصدر ضمن حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت، لمؤلفه الأكاديمي المصري الدكتور محمد عبدالستار عثمان. ومن بين الموضوعات التي تناولتها تلك الدراسة، تاريخ سدوس ونشأتها وتطورها في إطار المقومات الطبيعية والحضارية التي تحكم نظام الاستيطان في منطقة نجد، والعوامل الطبيعية وأثرها في التشكيل المعماري للقرية، كما استعرضت الدراسة تاريخ بني سدوس ودورهم الحضاري في إطار عرض عام لدور سدوس الحضاري وما يتصل به من نشاطات سياسية واقتصادية. وتوقفت الدراسة عند العمارة والتحصينات الدفاعية للقرية، وأوضحت خبرة أهل المنطقة بتخطيط التحصينات الدفاعية وإنشائها، وهي خبرة تكشف عن مستوى متقدم في هذا الميدان ينم عن اتصال حضاري بالمناطق الحضارية المتقدمة المجاورة. وأوضحت الدراسة مراحل واتجاه النمو العمراني للبلدة بصورة تساعد على دراسة المراحل التاريخية لنوعيات المنشآت الأخرى الباقية وتحديدها سيما المنشآت السكنية داخل الأسوار. موقع سدوس ونتعرف من خلال الدراسة على أن سدوس هي إحدى بلاد نجد، وتقع شمال غرب مدينة الرياض بحوالي ٧٠ كم، على خط عرض ٥٩ و ٢٤ وخط طول ٢٨ و ١١٠٤٦، وترتفع عن سطح البحر ٦٢٦ متراً تقريباً، ولهذا الارتفاع أثره النسبي في ارتفاع معدل كمية الأمطار الساقطة عليها حيث تحظى بخط مطري متوسطه ١٨/٢٧ ملليم. ووفقا للدراسة، فإن سدوس تقع أعلى “وادي وتر” الذي يتشعب فوق البلدة شعبتين إحداهما تسمى “الركزة” وهي الكبرى ويقام السد فيها، والأخرى تسمى “سويسا”، وهذا الوادي كبير وينحدر عليه شعاب كثيرة من أهمها وادي غيانة وبه شعب حرقان، والركزة وروافد كثيرة تبلغ عشرين شعبا، وبأسفل الوادي قرية صلبوخ، ويعرف وادي وتر حاليا بوادي صلبوخ وغالبا ما يجري ماؤه أو يحير في منخفضات واديه التي تتمثل في وادي سدوس وحزوي وغيانة، وتسقط الأمطار على المنطقة في بعض الأحيان بغزارة كما حدث في سنة ١٢٢٤ عندما سقطت الأمطار بغزارة وسالت على أثرها شعاب بلدان كثيرة منها حكر العيينة الذي امتلأ بالسيل وسال ما حوله من الشعاب كما سال نخل سدوس وحريملاء. ويحد سدوس من الغرب امتداد سلسلة جبل طويق، ومن الشرق جبلا الأبكين، وهو ما يوفر تحصينا طبيعيا للقرية، ويجاور سدوس مجموعة من المستوطنات القديمة المنتشرة في وادي حنيفة ومن أقدمها “حزوى” التي تجاورها مباشرة من جهة الجنوب والتي تنتسب إلى قبيلة حزوى إحدى القبائل العربية القديمة التي استوطنت في هذه المنطقة من نجد وهي إحدى بطون بني سدوس أيضا. وتصف لنا دراسة “سدوس وتحصينتها الدفاعية: دراسة تاريخية – أثرية – معمارية”، للدكتور محمد عبدالستار عثمان، كيف أن سدوس كانت تبدوا كواحة جميلة، حيث تحيط بها المزارع وبساتين النخيل وأشجار الأثل والطلح والرمث وغيرها من الأشجار المنتشرة في المزارع، أو على ضفاف شعاب الأودية وفروعها، وإذا ما نزل المطر تنمو النباتات الصحراوية كالريلة والسبط والبسباس والأرطي والعرفج ، وكذلك نباتات الحمضي من القضا والشنان، وهي من النباتات التي تتغذى عليها الحيوانات، وتكسب لحومها نكهة لذيذة، وهي من أسباب أفضلية اللحوم النجدية على غيرها. تحصين سدوس وبحسب الدراسة، فقد اشتهرت منطقة نجد بتحصين مستوطناتها تحصيناً قوياً منذ أقدم العصور، واختلفت صور التحصين، فهناك من المستوطنات ما أحاطت بها وبمزارعها ونخيلها وآبارها الأسوار مثل عنيزة، وهذه النوعية من المستوطنات كان حصاره صعباً. وهناك من المستوطنات ما أحاطت الأسوار بتكويناتها المعمارية فقط، وهذا هو النوع الغالب، وغالباً ما تزود هذه الأسوار بالأبراج والبوابات المحصنة للدفاع عن المستوطنة، كما كانت تنشأ خارج الأسوار وحول المستوطنة سيما على الطرق المؤدية إليه أبراج للمراقبة والاستكشاف. ووفقاً للدرسة، فإن ما بقي من تحصينات سدوس يُعتبر مثالاً جيداً لتحصينات المستوطنات النجدية في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة. وتشمل تحصينات سدوس أسواراً تحيط بالبلدة من جهاتها الأربع وهذه الأسوار مزودة بأبراج دفاعية، بالإضافة إلى البوابة الرئيسة المحصنة “الدروازة” التي تتوسط السور الجنوبي. وإضافة إلى ذلك يوجد برج مراقبة في الجهة الجنوبية على بعد يُسمى بالمرقب. المرقب ونتعرف من الدراسة على المرقب وهو عبارة عن برج للمراقبة يقع على بعد حوالي ٢٥٠ متراً من السور الجنوبي لسدوس، وقد بني على ربوة مرتفعة نسبياً عن مستوى الأرض. والبرج أسطواني الشكل، وقد تهدم تهدماً كبيراً، ولم يتبق منه سوى قطاعه السفلي الذي يمثل الجزء المسمط الذي كانت تعلوه حجرة المراقبة والتي يتوصل إليها من فتحة مرتفعة نسبياً ويصعد إليها المراقب قفزاً أو عن طريق سلم خشبي متنقل. وكان المتولي لعملية المراقبة يختار من بين الأشخاص ذوي البصر الحاد، وكان يقوم بهذه المهمة نظير أجر يتبعه له أهل القرية واختيار موضع هذا البرج ارتبط بالظروف الطبغرافية لسدوس وطرق التوصل إليها من الجهة الجنوبية. وإنشاء هذه الأبراج - كما أشرنا - كان يمثل ظاهرة تحصينية منتشرة في بلاد نجد ويعد هذا المثال في سدوس أحد الأمثلة التي تؤكد هذه الظاهرة. الأسوار وتحدثنا الدراسة عن الأسوار التي تحيط بسدوس من الجهات الأربع، حيث تهدم قطاع كبير من السور الشمالي، كما فقد السور الشرقي معظم أجزائه. وهذه الأسوار مزودة بأبراج في الأركان الأربعة تهدم منها برج الركن الجنوبي الشرقي، وبرج الركن الشمالي الشرقي ، كما يوجد برج خامس في منتصف السور الغربي تقريباً، هذا بالإضافة إلى البرج الذي يعلو “الدروازة” في منتصف السور الجنوبي والذي يطلق عليه محلياً مصطلح “المقصورة”. ويلاحظ أن المنطقة المجاورة للسور الشمالي أكثر انخفاضاً من مستوى الأرض في الجهة الجنوبية من البلدة، وهو ما انعكس على ارتفاع مستوى بناء البرج الشمالي الغربي عن مستوى الأرض المجاورة له ليكون في مستوى الأبراج الأخرى، وبالسور الجنوبي الدروازة وهي بوابة محصنة كبيرة تمثل المدخل الرئيس للبلدة، وما زالت محتفظة بعناصرها المعمارية حيث يعلوها برج خاص بالدفاع عنها، كما تشتمل من الداخل على السجن الخاص بحبس المخالفين من أبناء القرية الذين تنفذ فيهم عقوبة الحبس. وكان بالسور الشمالي باب آخر في نهاية الدوارزة. وصف الدروازة والدروازة هي المدخل الرئيس المحصن الذي يقع تقريباً في منتصف السور الجنوبي للبلدة والدروازة كلمة ذات أصل فارسي. وتتكون الدروازة من طابقين أحدهما أرضي، والآخر علوي عبارة عن برج يعلو المدخل يسمى “المقصورة”. وقد اهتم أهل سدوس بتخطيط الدروازة وإنشائها اهتماماً كبيراً يعكس جانباً من طرق الدفاع عن سدوس في هذا الموضع الذي يمثل نقطة مهمة قد يلجأ العدو لاقتحامها.