(قراءة في ديوانِ «غاية الحضور السفر» للشاعرِ علي جَدعان)..
أفكارٌ متعارضةٌ لعَالمٍ مُتشابِك.
الحضورُ والغياب، الصمتُ والكلام، المركزُ والهامش، الذاتُ والآخر، ثنائيةٌ تحضر وتختصرُ عالم اليوم، من خلالِ تأطيرها بإطار الهُويِّة والبحثِ عن الانتماء، إذ لم تعُد هنالك فواصل فعليَّة بين الذوات والأشياء، فالهدفُ من الوجود المشاركةُ والتعبير، هذا ما يطرحه ديوانُ “غاية الحضور السفر” للشاعرِ علي جدعان. الصراعُ المرير بين الإغراءِ بالبوح والاكتفاءِ بالصمت، يمثِّل صراع إنسانِ ما بعد الحداثةِ والعولمة، إذ يتعرَّض يوميًّا لمغريات تطالبه بمغادرةِ عالمه الواقعي والانضمامِ إلى العوالم الافتراضية؛ عوالمِ السوشيال مِيديا وبرامج التواصُل والتعارُف والمحادثة (حروف تأكل الصدأ): “ضدَّان في جنبيَّ شيء مبهم يُغري وصمت قد يضجُّ فيفصح” لينتهي إلى أنه لا يستطيعُ تجاهل الموجة الهائلةِ وإنْ أراد؛ لأنَّ الإنسان كائنٌ اجتماعي يعشقُ الضوء، إذ يبحث عن أُذُنٍ تستمع وعينٍ تراقب وتستكشف، لتكونَ نهاية حيرتهِ بأن يصبح مكشوفاً مرئيًّا، وإن أدَّى إلى فهم خاطئٍ لكلامه وسُلوكه (أجنحة لعاصفة العمر): “سأكتبُ الآن تاريخي بلا كَذب مغامرٌ يعشق الضوءَ الذي حرقَه” صراعُ الإنسان مع ذاتهِ ومع العالم، تعدُّ أبرز سماتِ العصر الراهنِ، حيثُ البحث عن الشهرةِ والضوء أحالَ الواقع الفعليَّ إلى وهم، وفي المقابلِ حوَّل الافتراضيَّ إلى حياة حقيقيَّة يعيشُها المرء بشروطِ واضِعيها، من المبرمجِين والمصمِّمين، ومالكي المواقعِ والتطبيقات، وواضعي القواعدِ والقوانين. عالمٌ جديد لا يشبه العوالمَ السابقة، غدا الإنسان فيه أسيرَ عالمه الافتراضِي، لا يخرجُ منه إلا ليعودَ إليه، أمَّا الهدف فالبقاءُ تحت الضوء وأمامَ أعيُن وأسماعِ الآخرين، وهؤلاء بدورهم سيقعون في المأزقِ ذاته، إذ سيبحثونَ عن ذواتهم لدى الأغيارِ كذلك (قبل الختام): “ننادِي ولا أُذن إلا الفراغَ تجاوزَ في الغي حدَّ الملام” إشكاليَّة لا تقف عند حدودِ الافتراضي والواقِعي، بل تتجاوزُ إلى الاجتماعي والمؤسَّسي، حينما تبحثُ إعادة تنظيمِ العلاقة بين الأطرافِ الحياتية، وتقاسُم الأدوارِ فيما بينهم، فالمجتمعُ آخذ في التغيُّر والتبدُّل؛ بسبب انكفاء الفردِ وابتعاده عن المشاركةِ الحضورية، أمَّا المؤسسة التي استمرَّت تُلزِمه بقوانينها وتمنعُ مساسه بهيبتِها، فقد وجدَ في الحريةِ والانفتاح عبرَ فضاءات الوهمِ والخيال ما يحتاجُ إليه. أفكارٌ متعارضة لعالمٍ متشابك بلغَ الصراع فيه قمَّته مع الفردِ، عبر جلوسه وحيداً ممسكاً بشاشته المضيئَة، التي تفتحُ أمامه أبوابَ العالم، لكنَّها في المقابل تغلقُ أبوابَ الذات والمجتمع، حتى يغدو النقيضُ هو السائد، والحقيقةُ هي الغائبة، بينما التزييفُ عمل مستمر؛ من أجل إقناعِ المتلقي بضرورةِ المتابعة والبقاءِ. إشكاليَّة تكبر وتتضخَّم عبر ملايينِ المنشورات، حيث العالمُ يتغير كلَّ لحظة، فما قبل النشرِ يختلف عمَّا بعده، وهذا أمرٌ خارج عن سيطرةِ الفرد ولا يستطيعُ وضع حدودٍ لحصره؛ ليبقى الأقسى والأشدَّ استمتاعُه بعالمه الجديد وعدمُ رغبته بمغادرتِه، إذ يرى ذاتَه على غيرِ حقيقتها، فيظنُّها الأفضل والأهمَّ وأن العالمَ في حاجة ماسَّة لها. أليسَت الشهرة والأضواءُ والتأثير هدفُ إنسان العصرِ الحديث؟ الذي يرغبُ الحصول على الاهتمامِ والمكانة، وأنْ يتم استقبالهُ بحفاوة، والكتابةُ عن أخباره، والحديثُ عن مغامراته، حيثُ يرى نفسَه محور الكونِ والقادرَ على ضبط حركةِ المجرَّة. حينَ تنكشف الحقائقُ ويجد أنَّ تأثيره لا يتجاوزُ إصبعه الممسكَ بالشاشة؛ يصابُ بالصدمة لتظهرَ عندها اختلالات الحياة، فما ظنَّه حقيقة اتَّضح أنه الوهم، وما اعتقده زيفاً تبيَّن أنه الصِّدق (نتوءات): “طرَفٌ ينازعُه المدى طرَفُ فمعي أنا ما زلتُ أختلفُ خطَواتي الأُولى بلا جهة فأنا الطريقُ وروحي الهدفُ نتقاسمُ اللا شيءَ نمنحُه حقَّ الوجود ليثمرَ الشغفُ” هنا يكونُ الإنسان وصلَ نهاية رحلته في مطاردةِ الحقيقة والبحثِ عن الصدق، ليجدَ نفسه محاطاً بالزيف والكَذب، وأنَّ العالم الذي يسكنُه ليس أكثرَ من شاشة، يسهلُ التلاعُب بها والعبثُ بمحتوياتها (نبضة أخرى ليستيقظ قلبي): “يمشي على شَفرة المعنَى تؤرجحهُ ريحُ السؤال فما نامَت ولا نعسَ في اللاحدُود وراءَ البعد منشغلاً بالصَّعب من بحره يستنقذُ اليبسَ مدَّ الفراغ خيوطاً لونُها أملٌ يا (ليتَ) في غيمهِ للعاطِشين (عسَى)” 15 مايو 2026م