تشكيل الهويّة في فضاءات “اللامكان” في الرواية النسويّة الخليجيّة.
في قراءة متأنّية للأعمال الروائيّة النسويّة الخليجيّة الصادرة في العقدين الأخيرين، مثل رواية “الجسد الراحل” لأسماء الزرعوني (الإمارات، 2004)، و”غراميّات شارع الأعشى” لبدريّة البشر (السعودية، 2013)، و”سيّدات القمر” لجوخة الحارثي (عُمان، 2010)، و”سلطنة هرمز” لريم الكمالي (عُمان، 2016)، يظهر تحوّل جوهريّ في بنية التخييل الروائيّ، يغادر حتميّة المكان بوصفه أرضًا، نحو احتفاء بالفضاء المتغيّر، أو ما يمكن وسمه بـ”لا مكان”، ذلك الفضاء السيّالُ الذي يعيد تعريف الانتماء في سياقات متغيّرة. هذا الانزياح ليس زخرفًا جماليًّا فحسب، إنّما هو استجابة وجوديّة لحالة عربيّة خليجيّة تتداخل فيها الأنساب وتتشابك المصائر، مع بقاء الرواية محتفظةً بصميم ارتباطها بالهامش الخليجيّ الخاصّ. تسعى هذه المقاربة إلى تفكيك كيف تشتغل الرواية النسويّة على إنتاج هويّات هجينة، يُسائل الثنائيّات التقليديّة، ويكتبُ جماليّةً جديدةً للانتماء تقوم على الالتباس الواعي. أوّلاً: مراتبُ اللامكان تُحوّل هذه النصوص اللامكان إلى حاضن سرديّ خصب، يتفاوت اتّساعه بين شخصيّة وأخرى. ففي “الجسد الراحل”، تتشكّل الهويّة في فضاءات الغربة والاغتراب، حيث يتقاطع البحث عن الذات مع رحلات الهروب من الألم، ممّا يُعيد تعريف العلاقة بالجذور في فجوة بين الموروث والمتغيّر. وفي “سيدات القمر”، تظهر فضاءات القرية العُمانيّة المتأرجحة بين الأسطورة والتحوّل، حيث تتقاطع حكايات النساء مع رحلات الغياب والحضور. أمّا في “سلطنة هرمز”، فتتبدّل معالم الجغرافيا القديمة في مواجهة تحوّلات العصر، وتبرز مراتبُ اللامكان في الفجوة بين أساطير الماضي وتحوّلات الحاضر. وفي “غراميات شارع الأعشى”، تتوزّع الحكاية بين الذاكرة المحليّة وفضاءات المدينة المتغيّرة. هذه “اللاأمكنة” تُشكّل أفقًا تنتظم فيه الذات عبر أداء متواصل، يختلف باختلاف الموقع من شبكة العلاقات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. فالراوي الذي يحلّق فوق المدن، أو يمرّر أصابعه على شاشة هاتف، يعيد تركيب عالمه عبر علاقات آنيّة. تتحوّل الجغرافيا إلى إيقاع زمنيّ، وتتّخذ الهويّة شكل خريطة عابرة تتغيّر بتغيّر زاوية النظر، مانحةً هذه النصوص حساسيّةً استثنائيّةً في رصد تحوّلات المجتمع الخليجيّ. ثانياً: الذاتُ الهجينة تبرز الذات المتعدّدة المرجعيّات، التي تحمل في داخلها ألسنةً وقيمًا متقاطعة، عوضًا عن البحث عن مركز واحد، إنّما تبحث عن إيقاع خاصّ تنسجم به مع تناقضاتها. لا تتعامل الرواية النسويّة مع “أزمة الهويّة” بوصفها خللاً وجوديًّا، إنّما تتناولها بوصفها طاقةً إنتاجيّةً خلّاقة. فشخصيّات “الجسد الراحل” تعيش تنقّلاتها بين ثقافات وطبقات متعدّدة، لا كتمزّق تراجيديّ، إنّما كثافةً دراماتيكيّةً تثري الوعي. وتعكس شخصيّات “غراميات شارع الأعشى” صراع الأجيال في قبول الآخر، كمرآة تعيد تشكيل الرغبات المحليّة. وتقدّم “سيدات القمر” نموذجَ الشخصيّة التي تساوم بين الأسطوريّ والواقعيّ، بين القرية والمدينة، كما تقدّم “سلطنة هرمز” نموذجَ التّساوم بين إرث البحر ومغامرة المجهول. تلتقط الرواية هذه الحالات عبر حوار داخليّ متشعّب، لتجسيد حقيقةٍ مفادها أنّ الهويّة في زمن اللامكان ليست جوهرًا يُكشف، بل شبكةُ علاقات تُنتَج لحظةً لحظةً، داخل نسيج خليجيّ منفتح يثبت مرتكزاته مع استيعابه المتحوّلات، دون انفصام بين الأصالة والمعاصرة. ثالثاً: حضورُ المرأةِ في اللامكان تختلف مفاعيل اللامكان باختلاف السياقات الاجتماعيّة والمواقع الثقافيّة. فبطلة “غراميات” تكتشف أنّ الانعتاق المكانيّ يستدعي مفاوضات جديدةً مع أعراف وآداب متجدّدة، تختلط فيها مراعاةُ المحيط بما استبطنته الذات من قيم مكتسبة. وفي “الجسد الراحل” و”سيدات القمر”، تظهر الذات الأنثويّة حبيسةً بين ذاكرة الأمّ/الجدّات وإشكاليات المكان الجديد، بينما تظهر في “سلطنة هرمز” كجزء من فضاء البحر. يصبح اللامكان فضاءً محفوفًا بإعادة تعريف الذات، مع امتداد محكوم بضوابطَ ضمنيّة، ممّا يجعله أكثر التصاقًا بالواقع الخليجيّ المعيش. هذه المعاينة، وإن لم تكن محورًا صريحًا في كلّ النصوص، تظلّ إشارةً على وعي الرواية بأنّ فضاءات العبور تعيد إنتاج معاييرَ مغايرة قد تختلف عن ضبط الجماعة الأولى، مع بقائها جزءًا من نسيج التحوّل الثقافيّ، دون أن تحملَ حُكمًا قيميًّا مسبقًا. رابعاً: الهجنةُ اللغويّة تميّز الدراسة رصدَ اللغة الروائيّة الهجينة، التي لا تكتفي بالاستعارة من لغات أخرى، إنّما تعيد بناء الجُملة العربيّة وفق منطق اللامكان، فتتكسّر وتخرج عن الكلاسيكيّ، وتتداخل مع العامّيّة والفُصحى. الكاتبة تستخدم الترجمة الذاتيّة، مفسّرةً المصطلح بلغة ثالثة، لتُجسّد تجربةً وجوديّةً لا تتّسع لها لغة واحدة. هذا يخلق هويّةً لغويّةً موازيةً، حيث يصبح العابر للقوميّة أسلوبًا سرديًّا. ترفض النصوص القراءات الاختزاليّة التي ترى في هذا انزياحًا عن الموروث، إنّما تُمارس معاينةً نقديّةً لآليّات الانتماء، وتُفكّك الجمود، وتكشف هامشًا للاجتهاد الفرديّ. وهي تُسائل الحداثة الغربيّة، منتجةً وعيًا مرنًا يُعاد تعريفه باستمرار عبر القراءة، وهو ما ينسجم مع المجتمعات الخليجيّة المعاصرة التي تمضي بخطىً واثقة نحو المستقبل، محتفظةً بمرتكزاتها الحضاريّة. خامساً: الرقميُّ والجسديّ تتعامل الرواية مع اللامكان الرقميّ كامتداد للوعي، فتتداخل الشاشة مع النافذة، ويسبق المحاكي الواقع. لكنّ الرقمنة لا تُنتج ذاتًا بلا جسد، إنّما تُبرز عودة الجسد بوصفه آخرَ حصن للخصوصيّة. ففي لحظة العبور الشديد، يظلّ الجسد علامةً على الاختلاف الحتميّ، ووعاءً للذة والألم، مؤكّدًا أنّ الهويّة العابرة، رغم تجرّدها، لا تفلت من حمولتها الجسديّة والاجتماعيّة، ممّا يضفي بُعدًا إنسانيًّا أقرب إلى جوهر التجربة الحيّة. لا تُقدّم الرواية النسويّة الخليجيّة بديلاً جامدًا، إنّما أداةً لرؤية الهويّة من الخارج، بوعي يستوعب التناقض. الهويّة ليست أرضًا نرثها، بل رحلةٌ نكتبها بجرأة. غير أنّ سؤالاً جوهريًّا يظلّ مفتوحًا: هل تصمد هذه المرونة الهوياتيّة أمام عودة القوميّات الصارمة؟ أم أنّ الرواية، بدهائها السرديّ، ستجد دائمًا فجوةً تُعيد منها اختراع إنسان يسكن سؤال المكان؟ هذا التساؤل يُبقي المقالة على تخوم الاكتشاف، مُذكّرًا بأنّ قيمة النقد تكمن في جرأة الإصغاء لما لم يُقل بعد، وفي رصد كيف تُعيد الرواية، في كلّ مرّة، تشكيل علاقتنا بفضاءات العبور. * باحث وناقد أدبي سوري