خارج الأقواس.

قِفُوا نَبْك هذي القصيدة على سكَّةِ الحرْفِ مُذْ كانَ يركبُ في أوَّلِ الشعرِ لم يرْتجلْهُ قطارُ السنينِ كأُغْنيةٍ للمُسافرِ يومًا كما الآن لم تنْتظرْهُ محطَّاتُ ألحانِها كي يُضمِّدَ ما جرحَتْه الكمنجاتُ من نايِه لا حقائبَ تسْردُ أسفارَه لا طريقَ ليروي لأقْدامِهِ كيف أغْرتْ خطاهُ بلا بوصلاتٍ إليه الرحِيلَا لدربٍ تَوعَّدهُ بالمسافاتِ إنْ لم يُسايرْه في الرقْصِ لكنَّه لم يخُنْ ذكرياتِ الخُطى فهي من حفرَتْ ظِلَّه وطنًا لم يُساوِمْ على سرِّ ما أوْدعَ الغيمُ في حقْلِه من حكايا اخْتَمرْنَ كذاكرةِ الماءِ كالبحرِ كالصبيةِ الأشْقياءِ الذين أضاعَ بأوْراقِهمْ كلَّ ما سطَّرتْهُ الحياةُ وما طاشَ خمرُ أباريقِهمْ في غُيومِ مجَازاتِه وارْتَوتْ من فُصولِ روَاياتِها قبل أنْ يركبَ المُسْتحيلَا فيا أيُّها الشعراءُ قِفُوا نَبْكِ هذي القصيدةَ يا أيُّها الشعراء قليلَا ونشْربُ من نخْبِها بعضَ ما فاضَ من كأسِ درويش ما انداحَ من غيمةِ المُتنَبئ ما طافَ بين دروبِ القَواميسِ أو ما طَفى في بحارِ الخَليلِ وما عتَّقتْه جرارُ امْرئِ القيسِ من نخْبِها ثم نَمْضِي السَبيلَا الصباحات الصباحاتُ أوَّلُ أُغْنِيةٍ لحَّنتْها الْتِفاتةُ عيْنيكِ يومًا إلى جِهةِ الشعْرِ فارْتبكتْ رقَصاتُ الحُروفِ قُبَيْل اكْتِمالِ القَصيدةِ لكنَّ شيئًا بجُدْرانِها لم يزلْ عالقًا تَتحرَّى نوافذُه ما تجودُ فُصولُهمَا بين حينٍ وحينْ الصباحاتُ نوتةُ عيْنيكِ تسْرُقنَا فجْأةً لِسَلالمِ أَلْحانِها دونَ سَابقِ أغْنِيةٍ كلَّما اسْتَيقظَتْ في سنابلِ أرْواحِنَا شَهوةُ الرَقْصِ كي نسْتعيدَ بها لحْظةً لا نكادُ نَراها ولكنها تسْتعيدُ بنا صوتَ فيروز يُشْعلُ فانوسَه بالحنينْ الصباحاتُ قهوةُ عيْنيكِ حيثُ انْسكَبْتِ من البَابِ ذاتَ صباحٍ فَفاضتْ فناجينُ أحْداقِهمْ غيْمةً كم تفتَّحْتِ من زهرها مطرًا ربَتَتْ كفُّه فوق أوتار حُنجرَتي مُسْتفِزًّا بها ما تهدَّلَ في نايِها من بريقِ السنينْ الصباحاتُ أوَّلُ أسْئِلة الشكِّ مجدولةٌ بتضاريس عينيكِ تبحثُ للآن بين خرائطِها في القواميسِ عمَّا يُحرِّرُها من شِراك الحِياد وشمس اليقينْ لا أعرفُ المعنى الخفيَّ كانتْ تُحلِّقُ في سماء الشعرِ والكلماتُ من غيم القصيدةِ تَرْتدي مطرًا يُراوحُ بين شُرْفةِ عيْنِها جسرًا وبيني فالقاعةُ امْتلأتْ ولكنْ لم يكن فيها سوى صوتِي وبعضُ صدىً يُردِّدهُ من الجهةِ البَعيدةِ لحنُ قيثارٍ ملأتُ بخمْره المخْتومِ عيني لا أعرفُ المعنى الخفيَّ لكي أُهيءَ لاحْتمالاتِ الدَلالةِ مشْرطَ النُقَّادِ لكني هَجسْتُ بما تَوارى من سُطورِ العِشْقِ في أوراقِ أيَّامِي بأنِّي.... وكأنَّني اسْتشرفْتُ ما يُخْفِيه هذا النصُّ في غاباتِه فشَرعْتُ أجْمعُ ما تَبقَّى من رصيد خُطاي في دربي كأنِّي فَورَاء همْستِها فُصولٌ سوفَ أكْتُبها على مهْلٍ متى نضَجتْ طُقوسي واكْتَملتُ كخَفْقةِ الممْسُوسِ في وتَرِ المُغنِّي