في 27 فبراير 2013، استضافت كلية الحقوق بجامعة كامبريدج مناظرة حظيت باهتمام واسع في الأوساط القانونية داخل المملكة المتحدة وخارجها. ولم يكن ما أثار ذلك الاهتمام مكانة المتناظرين فحسب، بل المقترح الذي طُرح للنقاش، والذي صيغ على النحو الآتي: «من يرغب في ممارسة القانون لا ينبغي له أن يدرس القانون في الجامعة». دافع اللورد جوناثان سامبشن، أحد أبرز رجال القانون في بريطانيا، عن هذا الاقتراح، ورأى أن دراسة القانون ليست بالضرورة أفضل إعداد لممارسة المهنة، لأن الممارسة القانونية تعتمد في المقام الأول على تحليل الوقائع وتقييم الأدلة أكثر من اعتمادها على تحديد القواعد القانونية وتفسيرها، كما رأى أن الطالب قد يجني فائدة أكبر من دراسة تخصصات أكاديمية أخرى تنمّي هذه المهارات وتوفر له تعليمًا جامعيًا أكثر اتساعًا. وفي المقابل، رفض البروفيسور غراهام فيرغو اختزال الممارسة القانونية في الوقائع والأدلة، مؤكدًا أن القانون مهنة علمية تقوم على البحث الرصين والانخراط الفكري، وأن التعليم القانوني لا يقتصر على اكتساب القواعد القانونية، بل يسهم في تكوين العقلية القانونية، ويتيح لطلابه الإفادة من معارف وتخصصات متعددة. وخلص إلى أن دراسة القانون، وإن لم تكن الطريق الوحيد إلى ممارسة المهنة، فإنها تظل أفضل إعداد لها. وانتهت المناظرة برفض الاقتراح بفارق ضئيل، غير أن السؤال الذي طرحته لم يفقد أهميته حتى اليوم. واليوم، وبعد أكثر من عقد على تلك المناظرة، عاد جوهر السؤال نفسه في ثوب جديد فرضه الذكاء الاصطناعي: هل تكفي القدرة على الوصول السريع إلى النصوص القانونية، واستعراض السوابق القضائية، وصياغة المذكرات، حتى يصبح المرء محاميًا؟ في تقديري، الإجابة لا تزال هي: لا. فالذكاء الاصطناعي أداة بالغة الكفاءة إذا أحسن استخدامها. فهو يختصر الوقت، ويساعد في البحث، وينظم المعلومات، ويقارن بين النصوص، ويعين على إعداد المسودات الأولية. وإذا وُظف التوظيف الأمثل، وتحت إشراف بشري متخصص، فإنه يمثل إضافة حقيقية للممارسة القانونية. غير أن هذه الكفاءة لا ينبغي أن تحجب عنا أوجه قصورها. فقد أثبتت التجربة أن الذكاء الاصطناعي قد يخطئ في عرض القاعدة القانونية، أو يستند إلى سوابق أو مراجع غير موجودة، أو يقدم معلومات مختلقة في صورة حقائق مؤكدة. فإذا أخطأ في فهم القانون أو الوقائع، انتهى إلى نتيجة قانونية غير صحيحة، وهنا تكمن الخطورة. فالمحاماة ليست مجرد الوصول إلى النصوص أو الاطلاع على الأحكام القضائية، وإنما هي القدرة على فهم الوقائع، واستخلاص عناصرها القانونية، واختيار القاعدة الواجبة التطبيق، وتحمل المسؤولية المهنية عن الرأي الذي يقدم للموكل أو للمحكمة. وهذه المسؤولية لا يمكن أن تتحملها آلة، مهما بلغت قدرتها على معالجة البيانات. ولعل في المقولة الشهيرة لصمويل كولت، مخترع المسدس الدوّار، ما يقرّب هذه الفكرة؛ إذ يُنسب إليه قوله: «لقد خلق الله الناس، لكن صمويل كولت جعلهم متساوين.» فكما قد يمنح المسدس الضعيف مظهر القوة، قد يمنح الذكاء الاصطناعي غير المتخصص مظهر الخبير. بيد أن مظهر القوة لا يصنع الشجاعة، كما أن مظهر المعرفة لا يصنع الخبرة. بل إن الاستعارة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك. فالمسدس في يد غير المؤهل قد يشكل خطرًا على الآخرين، وكذلك الذكاء الاصطناعي في يد من لم يتلق التأهيل القانوني الكافي قد يتحول إلى مصدر ضرر بالغ، لا سيما عندما يتعلق الأمر بحقوق الناس وحرياتهم وأموالهم. فالأداة، مهما بلغت كفاءتها، لا تعفي مستخدمها من واجب المعرفة، ولا من مسؤولية التحقق. لذلك، أرى أن المكان الطبيعي للذكاء الاصطناعي هو أن يبقى مساعدًا للباحث والممارس القانوني في البحث والصياغة، وأداةً لرفع كفاءة العمل القانوني، لا مصدرًا للمعرفة القانونية، ولا بديلًا عن العقل القانوني أو الحكم المهني. لقد غيّر الذكاء الاصطناعي أدوات البحث والممارسة القانونية، لكنه لم يغيّر جوهرها. وسيظل الإنسان هو مصدر المعرفة القانونية تشريعاً، وفقهاً، وتفسيراً، وتطبيقاً، وهو صاحب الضمير المهني، وهو الذي يتحمل مسؤولية رأيه أمام موكله والقضاء والمجتمع. أما الذكاء الاصطناعي، فسيظل - مهما تطورت قدراته - أداةً بالغة النفع والعون. فقد يساعدك الذكاء الاصطناعي على إنجاز بعض مهام المحامي، لكنه لن يمنحك معرفة وخبرة المحامي. فهذه لا تصنعها الخوارزميات، بل يصنعها التأهيل العلمي، والخبرة العملية، والحكم المهني، وتحمل المسؤولية.