منذ أن قدّم إنغمار برغمان فيلمه Persona، أصبحت الشخصية المنقسمة واحدة من أكثر التقنيات السردية قدرة على تمثيل الإنسان من الداخل؛ فبدل أن يُظهر الصراع بين شخصين، نقل الصراع إلى داخل الذات، وجعل الآخر صورة تتشكل من شظايا النفس. هذه التقنية لم تبقَ حكرًا على السينما، بل وجدت طريقها إلى الرواية، ومن أجمل تجلياتها محليًا ما قدمته الروائية السعودية سعاد عسيري في روايتها (نبية وبيوت الموت) في البداية يبدو العملان مختلفين؛ ففي Persona نحن أمام ممرضة ومريضة، وفي (نبية وبيوت الموت) أمام طبيبة نفسية وفتاة تعالج آثار صدماتها. ثم يتضاءل الاختلاف كلما تقدمت الأحداث، حتى يكتشف المتلقي أن الثنائية التي ظل يطمئن إليها لم تكن سوى بناء فني يخفي وحدة أعمق. تكمن بلاغة هذه التقنية في أنها تؤجل الحقيقة، فلا تكشفها منذ البداية، بل تسمح للقارئ أو المشاهد أن يعيش الوهم كاملًا، ثم تعيده في النهاية إلى نقطة البداية؛ ليقرأ كلّ ما مضى قراءة جديدة، فالحوار الذي بدا بين شخصين يتحول إلى حوار داخلي، والأسئلة التي ظنناها موجهة إلى الآخر تصبح أسئلة الذات لنفسها. في فيلم Persona تتآكل الحدود بين ألما وإليزابيث تدريجيًا؛ تمتزج الملامح، وتتبادل الشخصيتان المشاعر، حتى يغدو التفريق بينهما أمرًا بالغ الصعوبة، أما في رواية سعاد عسيري، فإن النهاية تكشف أن الطبيبة والمريضة وجهان لذات واحدة، وأن جلسات العلاج لم تكن سوى رحلة داخل الوعي، تبحث فيها الشخصية عن نفسها عبر صورة أخرى صنعتها؛ لتحتمل مواجهة جراحها. ولعل ما يلفت النظر أن التقنية في العملين لا تؤدي وظيفة المفاجأة فحسب، بل تؤدي وظيفة نفسية أيضًا؛ فالإنسان حين يعجز عن الاعتراف لنفسه، يخلق آخر يصغي إليه. وحين يستحيل النظر إلى الجرح مباشرة، يراه منعكسًا في مرآة شخص آخر؛ لذلك لا يكون (الآخر) في هذه الأعمال شخصية مستقلة بقدر ما يكون وسيلة ترى الذات من خلالها ما عجزت عن رؤيته في داخلها. وهنا تتجاوز التقنية حدود البناء السردي؛ لتصبح رؤية للإنسان، فالذات ليست كتلة واحدة متماسكة دائمًا، وإنما قد تنقسم تحت ضغط الذاكرة أو الصدمة أو الشعور بالذنب. وعندما يحدث هذا الانشطار، يصبح الحوار مع الآخر في حقيقته حوارًا مع النفس. ومن هذه الزاوية، تبدو (نبية وبيوت الموت) أكثر من رواية نفسية؛ إنها رواية تستثمر انشطار الشخصية بوصفه أداة لإنتاج الاعتراف؛ فالاعتراف لا يخرج في صورة بوح مباشر، وإنما يتوزع بين شخصيتين ظاهرتين، بينما يظل مصدره ذاتًا واحدة تبحث عن طريق للشفاء. ولعل هذا ما يمنح العملين أثرهما الباقي؛ فالنهاية لا تغيّر مصير الشخصيات فحسب، بل تغيّر طريقة قراءتنا لها، وما إن تنكشف الحقيقة، حتى ندرك أن الآخر الذي رافق البطل طوال الرحلة لم يكن سوى مرآة، وأن أصعب مواجهة في حياة الإنسان ليست مع العالم، بل مع ذاته حين تقف أمام نفسها بلا أقنعة.