قراءة في فرسان الرمال..

بين الهامش والبطولة …رحلة البحث عن الذات

استطاعت فرسان الرمال للكاتب البرازيلي جورجي أمادو في جعل شخصياتها مرآة تعكس تناقضات الحياة وتُعري المجتمع، تفضح القسوة وحياة المهمشين، وتحولاتهم باختبارات تعبرها وتنقلها إما للنضج والوعي والنجاة وإما للهاوية، في البداية تراهم مجرد شخصيات هامشية على عتبات الحياة، ومجموعة من العصابات القاسية، وقبل أن تجعلك الرواية متعجبا من قسوة نظرة المجتمع لهم تكتشف أنه صاحب الدور الأكبر في صناعتهم على هذا النحو المخيف. يقول إدوارد سعيد في كتابه: “العالم والنص والناقد” “النصوص الدنيوية هي تلك التي تنتمي إلى العالم، وتتشكل داخله، وتدخل في علاقات مع تاريخه ومجتمعه وقواه” لتنطبق هذه الفكرة على الرواية بدرجة كبيرة والتي لا تنفصل عن واقع المدينة باهيا، ولا عن الفقر، ولا عن علاقة السلطة بالهامش والمهمشين، وتجعل من النص امتدادًا للعالم الذي خرج منه. فكل شخصية قادمة من شروط تاريخية وإنسانية محددة، وهذا ما يجعل الرواية وثيقة أدبية تاريخيةعن المجتمع بقدر ما هي عمل فني فينقل واقعه بإعادة صياغته في بنية روائية تكشف تناقضاته ومنذ الصفحات الأولى يقدم أمادو شخصياته كأطفال أضاعتهم الحياة، لتطرح سؤالًا أخلاقيًا بسيطًا ومعقدا: كيف يتحول أطفال صغار للصوص ومجرمين، ومن المسؤول الحقيقي؟ يختار أمادو المستودع كفضاء مكاني ليكون أبعد من مجرد مكان للنوم والعيش إنه مجتمع صغير، له قوانينه، وتسلسله القيادي، وصداقاته، وطقوسه. ومن داخله يعيد أمادو تشكيل العالم الخارجي بصورة مصغرة، حتى يصبح هذا المكان المهجور مرآة للبرازيل نفسها ولمدينة باهيتا بلد تتجاور فيه الثروة الفاحشة مع الفقر المدقع، والسلطة مع التهميش، والقانون مع الظلم الاجتماعي. بداية من العتبة النصية الأولى العنوان”فرسان الرمال” يجتمع نقيضان يحملان مفارقة تمنح المعنى مساحة أكبر من التأويل فالرمل مادة لا تستقر، تتبدل أشكالها مع كل ريح، ولا تحتفظ بصورة واحدة طويلًا. وهو ما ينطبق تمامًا على هؤلاء الصبية إنهم بلا بيت ثابت، ولا عائلة مستقرة، ولا مستقبل واضح. إنهم أبناء أرض متحركة، لا تسمح لهم بتكوين جذور. ثم يمنحهم لقب “فرسان” كلمة ترتبط في الذاكرة بالشرف والبطولة ليصنع أمادو مفارقة دلالية لافتة حيث يزرع البطولة في أكثر البيئات هشاشة، وأن الكرامة الإنسانية لا ترتبط بالمكانة الاجتماعية، فارتباطها الأعمق يأتي من القدرة على مقاومة الانكسار. بهذا المعنى، تتخذ الرواية لنفسها مكانة في الأدب العالمي متجاوزة حديثها عن الفقر والخوف والتشرد والسرقة لتكون رواية عن الهوية الإنسانية في عالم ينتزع منها شروطها الطبيعية في الحياة. وتتحرك شخصيات الرواية في مجموعها وكأنها رحلة جماعية للبحث عن الذات. ولعل أجمل ما ينجزه أمادو قدرته في تقديم تحول شخصياته باختلافاتها كانتصار جماعي، فبيدرو بالا يصل إلى وعيه الجديد عبر سلسلة من العلاقات الإنسانية التي أعادت تشكيله. لقد تعلم من الأستاذ أن الفن يحفظ الذاكرة، ومن الأب جوزيه أن الرحمة قد تكون أكثر عدلًا من القانون، ومن دورا أن الحب يمنح الإنسان سببًا ليصبح أفضل وأن للحب معنى الحرية، كما علمه الطالب أنها بلا قيمة بدون الآخرين. ولهذا لم يكن انتقاله إلى صفوف العمال قفزة مفاجئة لكنها جاءت بشكل أسرع مما تسمح به البنية النفسية للشخصية واستعجل أمادو في جعله أيقونة وزعيما مناضلا، ولو منحه تدرجا أكثر في الرواية لكان أكثر إقناعاوتناسبا. ومع ذلك فإن هذا البناء يكشف عن وعي سردي دقيق. حيث تمنح التفاصيل اليومية دورًا حاسمًا في صناعة التحول بدون الاعتماد على الحوادث الكبرى وحدها، نجده في قبلة تمنحها دونا استير لطفل لم يعرف حنان الأم، أو يد دورا وهي تخيط قميصًا ممزقًا، أو زهرة يضعها سكر الشعير بين أصابعها بعد رحيلها، تمتلك من القوة السردية ما تمتلكه معارك الشرطة والإضرابات. وهنا تتجلى براعة أمادو بجعل المشهد البسيط قادرًا على حمل معنى إنساني واسع وحياة تتشكل أمامه ببطء وتؤكد الشخصيات هذا التوجه، فكل شخصية لن تجدها تنتهي في المكان الذي بدأت منه. الأستاذ يغادر وفي ذهنه وجوه رفاقه “سوف أرسم وجوه جميع الأصدقاء.” هذه الجملة تختصر بها الرواية وظيفة الفن الذي يحفظ الواقع من النسيان بدل تجمييله، وسكر الشعير يصبح مشروع رجل دين بعد أن كان الأب جوزيه يردد بثقة: “سوف يصبح سكر الشعير كاهنًا.” أما القط، فيكتشف أن المجتمع الذي كان يطارده قادر على قبوله متى ارتدى ثوبًا يناسب صورته عن الاحترام. كل مسار من هذه المسارات يضيف طبقة جديدة إلى السؤال الذي تطرحه الرواية حول الهوية، ويؤكد أن الإنسان يحمل داخله إمكانات متعددة، وأن البيئة قد تؤخر ظهورها، لكنها لا تلغيها بالضرورة. ومن الشخصيات التي تستحق التوقف شخصية دورا، بتمثيلها لنقطة التحول الشعوري في الرواية وإعادة التوازن إلى الجماعة بإنسانية ومنحهم معنى الأسرة: “أنت الآن ماما الجماعة.” ولهذا ظل حضور دورا ممتدًا حتى بعد رحيلها، ولم يكن مشهد النجمة الشقراء التي يراها بيدرو في السماء تعبيرًا عن حنين رومانسي بقدر ما كان إعلانًا بأن بعض الشخصيات تغادر الحكاية، لكنها تبقى تقودها من الداخل ويبقى تأثيرها حتى في غيابها.و يكتسب عنوان فصل “دورا، أم” دلالته الحقيقية في منح شعور الأمان. وتتبدل نظرة كل واحد من أفراد الجماعة إليها بحسب النقص الذي يحمله داخله فالقط يرى فيها الأم التي فقدها، وسكر الشعير يقترب منها بروح الباحث عن الطهارة، بينما يجد فيها بيدرو بالا للمرة الأولى صورة المرأة التي يمكن أن يبني معها مستقبلًا. وتكشف هذه الاختلافات قدرتها في جعلهم يرون أنفسهم على حقيقتها. غير أن أمادو لا يسمح لهذا الحلم أن يستقر طويلًا. فموت دورا يأتي في اللحظة التي يكتمل فيها حضورها داخل الجماعة ورغم قسوة ذلك، إلا أن البناء السردي يكشف ضرورته، فدورا أدت وظيفتها كاملة، إذ أيقظت في كل شخصية جانبًا مهما و يتحول رحيلها إلى قوة دافعة أكثر وما النجمة ذات الشعر الأشقر التي يراها بيدرو في السماء إلا امتدادًا رمزيا لحضورها. على المستوى الفني، ينجح أمادو في بناء إيقاع سردي يتغير مع تغير الشخصيات البداية تعتمد الحركة السريعة، حيث تتوالى المطاردات والسرقات والمغامرات، ثم يبدأ الإيقاع في التباطؤ كلما ازداد عمق الشخصيات، حتى يغدو الحوار الداخلي والذكريات والحوارات الهادئة جزءًا أساسيًا من نسيج الرواية. وهذا التغير لا يشعر القارئ بالانقطاع، لأن الكاتب يمهد له تدريجيًا، فينتقل السرد من الخارج إلى الداخل حين ينقل الفعل إلى التأمل، دون أن يفقد حيويته. ومع ذلك، لا تخلو الرواية من ملامح مشروع أمادو الفكري. فإيمانه بقدرة الإنسان على التغيير، وانحيازه الواضح إلى الطبقات الفقيرة، وحضوره المتنامي لفكرة التنظيم العمالي، كلها عناصر تمنح الخاتمة نبرة تفاؤلية قد تبدو، في بعض مواضعها، أقرب للحلم منها إلى الواقع. غير أن هذه المثالية لا تنتقص من القيمة الفنية للرواية، لأنها تنبع من منطق الشخصيات نفسها، ومن إيمان الكاتب بأن العدالة ليست حلمًا مستحيلًا، وإنما أفق يستحق أن يُكتب عنه. ولعل القيمة الكبرى لـ “فرسان الرمال” تكمن في أنها تنجح في زحزحة نظرة القارئ إلى الهامش. فمن يدخل الرواية وهو يتوقع حكاية عن أطفال مشرّدين، يخرج منها وهو يحمل سؤالًا مختلفًا: كم طفلًا يمكن أن يصبح فنانًا لو وجد من يكتشف موهبته؟ وكم بيدرو بالا يمكن أن يتحول إلى قائد لو نشأ في بيئة تمنحه فرصة عادلة؟ وكم دورا يمكن أن تمنح الحياة معناها لو لم يخطفها المرض؟ وهنا تبلغ الرواية غايتها الحقيقية ولا تطلب من القارئ أن يتعاطف مع شخصياتها فحسب، فالرواية تدعوه إلى مراجعة أحكامه عن الإنسان فاللص، والمتشرد، والهارب، واليتيم، ليست هويات نهائية في عالم جورجي أمادو، إنها مراحل فرضتها ظروف قاسية. أما الهوية الأعمق فتتشكل من القدرة على الحب، وعلى الصداقة، وعلى النهوض من جديد كلما ظن العالم أن السقوط هو المصير الأخير. وربما هذا ما يجعل من رواية “ فرسان الرمال” رواية تتجاوز زمنها ومكانها. فهي تحكي عن باهيا في ثلاثينيات القرن الماضي، لكنها تلامس سؤالًا إنسانيًا لا يفقد راهنيته في كل عصر: كيف يصنع المجتمع أبناءه، وكيف يستطيع الأدب أن يعيد إليهم أسماءهم بعد أن سلبهم إياها الواقع؟ وأن المهمشين لهم الحق أن يكونوا أبطال حين تكون هناك فرص حقيقية لهم. *كاتبة سعودية