حسن البطران في مجموعة «وصال وستائر لا يبللها ماء»..

كيف كشفت القصص جفاف الواقع المعاصر؟

تحمل القراءة في عالم القاص السعودي حسن البطران من خلال مجموعته “وصال وستائر لا يبللها ماء” طاقة تشخيصية مذهلة تتقاطع بعمق مع مأزق الإنسان المعاصر في فضاءات الواقع اليومي. إنها ليست مجرد نصوص أدبية مغلقة على جماليات التكثيف والومضة، بل هي مرآة مجهرية تعكس هندسة الاغتراب وحمى التباعد التي نعيشها اليوم في عصر شبكات التواصل والمنصات الرقمية؛ حيث يتحول التراكم البصري الهائل والتواصل الافتراضي اللحظي إلى ستار كثيف يحجب اللقاء الحقيقي، وحيث تبدو مشاعرنا تماماً مثل تلك الستائر التي يغمرها فيض من المحتوى والكلمات العابرة لكنها تظل جافة في عمقها، لا يبللها ماء المشاعر الصادقة ولا ينفذ إليها دفء الالتصاق الإنساني. ينطلق الكاتب في تشريح هذا المأزق من عتبة الستائر التي لم تعد في واقعنا مجرد أداة لحجب الضوء أو ستر البيوت، بل تحولت إلى استعارة كبرى للأقنعة الوجدانية والاجتماعية التي يرتديها الفرد المعاصر ليحتمي بها من وعثاء المكاشفة وسياط الأحكام الجمعية، حيث تتبدى العزلة في أبجديات البطران كخيار دفاعي حتمي أمام مجتمع يطالب الفرد بالامتثال التام للنسق على حساب خصوصيته الفردية وتطلعاته الذاتية. هذا التناقض الصارخ تجسده المجموعة في قفلاتها المباغتة التي تعري الزيف اليومي؛ فبينما نبحث جميعاً عن “الوصال” كقيمة إنسانية فطرية تمنح الحياة معناها، نجد أنفسنا منخرطين بوعي أو بدون وعي في إسدال “الستائر” المتتالية، فنبني جدراناً نفسية سميكة تحت مسميات شتى كالخصوصية والتحفظ والمواراة، لننتهي إلى العيش في جزر منعزلة تتلاطم حولها أمواج الحياة الصاخبة دون أن تبلل دواخلنا أو تحرك سواكننا المكتومة. ويأتي هذا التفكيك متصلاً بتصدير الكاتب المعجمي الذي يمهد لتلقي هذا الجفاف، حيث يقول: «الستائر مفردها ستارة: وهي قطعة من القماش أو ما يشبهه يسدل على النوافذ أو الأبواب؛ حجباً للنظر أو الضوء أو اتقاء الشمس وأحياناً للزينة»، ليعلن بذلك هندسة حجب المشاعر وتشييئها وتحويلها إلى مجرد زينة مظهرية باردة. إن الذكاء المعماري الذي اتبعه الكاتب في تقسيم نصوصه إلى وحدات بنائية أطلق على كل منها اسم “ستارة”، يتماثل بشكل مذهل مع طريقة تعاملنا اليومية مع النوافذ الرقمية والشاشات التي نزيحها بأصابعنا صعوداً وهبوطاً طوال النهار، فكل شاشة نفتحها هي “ستارة” جديدة نرفعها لنلقي نظرة خاطفة على حيوات الآخرين ومآسيهم وأفراحهم دون أن نتورط معهم عاطفياً؛ نكتفي بمشاهدة لقطات ومضية مقتضبة ثم ننتقل إلى الستارة التالية ببرود وبلادة تامة. هذا النمط من العيش السريع والاختزال الحاد للمشاعر يضعه البطران تحت المجهر عبر بلاغة الحذف والاستغناء في لغته السردية، فهو لا يمنح شخصياته أسماءً أو ملامح تفصيلية، بل يتركها رموزاً عارية ومجردة تتجول في زمن ومكان مضغوطين، تماماً مثل العابرين في قطارات الأنفاق أو المارة في شوارع المدن الكبرى، وجوه مألوفة في مأساتها لكنها مجهولة الهوية، تعيش قلقها الوجودي صامتة وتبحث عن خلاصها الفردي خلف زجاج النوافذ المغلقة. وتتجلى ذروة هذه المفارقة في نص قصة العنوان التي تعكس صدمة الغرق والجفاف المعنوي في آن واحد: «أزاح الستارة عن النافذة وتسللت خيوط الضوء من خلالها، تساقط المطر، صحا الطفل، غمر الماء فناء الغرفة، بكت الزوجة حينما رأت مناكيرها تقاوم الغرق؛ والستائر لم يبللها الماء..!». فبينما يغرق الفضاء المشترك بالكامل وتنشغل الذات بالقشور والرفاهية المظهرية، تظل الحجب النفسية جافة وعازلة تماماً عن أي تفاعل حقيقي. في نصوص المجموعة، تبرز الأنثى كرموز معقدة للتوق المكبوت والصوت المخنوق في بيئة اجتماعية محكمة الإغلاق، حيث يغدو الحوار بين الرجل والمرأة أشبه بتبادل لإشارات غامضة ومبتورة وراء حجب كثيفة، وتتحول الرغبات الإنسانية المشروعة إلى طلقات لغوية مكتومة تبدأ بهدوء مضلل لتنفجر في النهاية على شكل صدمة أو قفلة مفارقة تفكك الأوهام المستقرة في يقين المتلقي وتجبره على معاينة المسكوت عنه في واقعنا، تماماً كما يتضح هذا الاغتراب في قصة (هدوء امرأة): «عقرب يزحف نحو المسرح، يصعد الخشبة، ينسلخ الناس ويفرون، يبقى رجلٌ وامرأةٌ ينظران إليه، فجأة يختفى العقرب ويضاء المسرح، يصفق الناس من خلف الستارة، يقف الرجلُ...»، ليتحول الخوف والمواجهة الحية الحقيقية إلى مجرد مشهد استهلاكي بارد يتفرج عليه الآخرون من وراء الشاشات والستائر العازلة دون إدراك لعمق المأساة. ومن هنا تكتسب عبارة “الماء الذي لا يبلل” بعداً فلسفياً شديد القسوة عند إسقاطها على العلاقات الإنسانية الراهنة؛ فالماء هو أصل الحياة وعنصر النماء والتطهير، لكنه حين يعجز عن بلل الستائر النسيجية أو النفسية، يصبح رمزاً للوفرة الخادعة والجفاف العاطفي المتفشي، حيث يحيط بنا البشر من كل حدب وصوب وتغرقنا الكلمات والرسائل النصية والرموز التعبيرية طوال الوقت، لكننا في حقيقة الأمر نموت عطشاً واغتراباً في قاع هذا المحيط الافتراضي البارد. إن ما يفعله حسن البطران في هذا العمل الإبداعي هو إجبارنا على التوقف الطويل أمام مرايانا المشروخة، فقصصه القصيرة جداً لا تُقرأ لتمجيد الجمال اللفظي الفاخر فحسب، بل تُقرأ بوصفها طلقات واعية تخترق النسق الاجتماعي الصارم وتكشف العورات السيكولوجية لإنسان العصر الحديث. إنها صرخة فنية هادئة ومكثفة تنحاز للإنسان العاري من ألقابه وأقنعته، وتثبت أن الكتابة الحقيقية هي تلك التي تمتلك الشجاعة الكافية لتمزيق الستائر وتعرية المأزق الوجودي اليومي، مفسحة المجال للفراغات والمسافات البيضاء بين السطور لتتنفس بدلاً منا، ولتطرح الأسئلة الجوهرية والمعلقة التي نتهرب من الإجابة عنها في زحام الحياة الصاخب والركض اللامتناهي خلف أوهام الوصال الزائف.