«حوش عباس» لـ « جابر مدخلي» ..

حين يفتح الروائي أبواب الأحواش المغلقة .

تُطلِق رواية «حوش عباس» الصادرة عن دار تشكيل عام 2022، للروائي والصحفي جابر محمد مدخلي رصاصة مكتومة في قلب مكمّم الفم، كي لا يخرج صوت حين تقرأ، لأنك عزيزي القارئ ستخشى على بطلها «جيلان» من الموت، كخشيته وخشية من أحبوه، من أن يفعل فعلاً يودي بحياته. فالقتل في الأحواش أسهل الأمور. تخرج رواية «مدخلي» من أشدّ الأماكن عتمة في أي وطن، حيث يُختطف الأطفال، وتقتل براءتهم، وتُباع الاعضاء، وتُهتك الأعراض، وتُغسل أدمغة الصغار والكبار باسم الدين والجنة البعيدة. هنا يطرح النص سؤالًا جوهريًا قاسيًا: كيف يشتري المال الشرف والكرامة والأوطان؟ وهو سؤال نجح الروائي في دفعه إلى سطح الوعي بلا مواربة، بل بجرأة تُحسب له ضمن أقوى مناطق الرواية. ولكن «مدخلي» يأبى إلا أن يراوغ في تناوله لشخصيات الرواية، ودوافعها، ونفسياتها، وأفعالها، فيُظهر حنوًّا مفاجئًا من مجرم سفاح، وأمومة نقية في امرأة مختطفة لسنوات من بلاد بعيدة، وحبًا مع فتاة لا تعرف أمها ولا أباها، وخيانة في أخ يبيع أخاه من أبيه إرضاءً لأمه – بسبب زواج والده بأخرى_ أم الأخ؛ ليخلق كل هذا التشظي -طوال النص- في روح بطلنا جيلان، الطفل ذو التسعة أعوام، حين رماه أخوه في أولى محطات تنقله بين الاحواش في «حوش عباس». يمكن للحزن أن يُلحق بحزن أكبر، وللفاجعة أن تليها فاجعة أشنع، وللجريمة أن تلتصق بأخرى، ولا يستطيع الإنسان أن يخلع جلده ليكون غير نفسه مادام ممسكاً بقدرات عقله. كان لجيلان أن يُغسل عقله، أو يتخلى عن ذاكرته، وعن حنينه المتواصل لأمه – ذلك الحنين الذي امتد على مدار 369 صفحة- إلا أن سلسلة من الرحمات، أو لنقل نعم الله الخفية ، أوصلته إلى التحرر بعد سنوات عديدة لم يحددها النص.. ولعلها قاربت العشر. غير أن لحظة الحرية تلك تكشف لنا مفارقة لافتة –بل أعدّها إحدى أكثر لحظات الرواية إثارة للتأمل– إذ لا يجري جيلان نحو أمه، فمن الصفحة 369 إلى نهاية الرواية 378 يقرر العودة إلى الأحواش ليحرر من رافقوه وأحبوه. وهذا القرار، رغم نبله الطارئ، قد يفتح أمامنا بابًا نقديًا حول البناء الزمني والواقعي في السرد، إذ تم هذا التحرير –ويا للمفارقة– خلال بضع ساعات، بدعم وعتاد وعدد متنوع من الفرق الأمنية. وهنا يحق للقارئ أن يتساءل: أي قدرة ذهنية ونفسية امتلكها بطل حوش عباس «جيلان»؟ وأي جاهزية ميدانية خارقة امتلكها رجال الأمن؟ وأي سرعة استطاعت الاتصالات والتنقلات أن تحققها بين القرى والمدن، والإغارة على أحواش يقبع بعضها تحت الأرض، وتُدخل لبعضها الآخر عبر أنفاق، وتُحرس بأسلحة ثقيلة وبوابات متعددة، وحراسة مستعدة للتضحية بحياتها من أجل تحصين وحماية ما تدره تلك الأحواش من مال؟ هذه الأسئلة وغيرها -حقيقة- لا تضعف النص بقدر ما تكشف توتره الداخلي بين الواقعي والدرامي، وهو توتر حاضر في كثير من الأعمال التي تحاول مقاربة موضوعات شديدة الحساسية، والقسوة، فيجري الكاتب خارجا من ثقلها. وأضيف أن هذا السياق يكشف عن روح وطنية وإيمان كبير يحمله الروائي للوطن وإمكاناته. لا يتوانى النص في ثنايا تفاصيله السردية عن حمل الألم والقيح والخزي الذي ستظل البشرية تحمله ما بقيت، فهو نص عن اللا إنسانية، ، والوحشية، والجشع، والرذيلة، والخيانة المستترة خلف أهداف تحقيق دين الله، بل وأكثر من ذلك في كل فصل من فصوله الثلاثين. ومع ذلك يظل جيلان –بطل النص- كائنًا متصدعًا، تزعزت عقليته، واضطربت طريقة تفكيره، ومشاعره، رغم محاولاته للامساك بعقله وهو ما انعكس عل سرده لحكايته منذ البداية، فهل قصد الكاتب واعيًا أن يبني الشخصية مكسورة نفسيًا، ومتشظية إلى هذا الحد؟ وإن كان الروائي أراد هذا البناء حقًا فإن اضطراب الشخصية وتشظيها هذا -هو- ما يفتح اشتغالات دقيقة حول «حوش عباس» فكيف لجيلان أن يتحدث بعلم المساحة ويحدد بدقة متناهية مقاس عشرة أمتار للغرفة التي دخلها قبل أن يتلقى تعليمه الموسع -لاحقًا- في حوش منشبة؟ ولماذا بقي مُصرًّا على تحقير المشاعر وتصغيرها، رغم أنه ظهر عاطفيًا، وحساسًا، ومرهفاً، وبكّاءً في مواضع كثيرة من النص؟ ثم لماذا وصف أمه -ابنة الشيباني- يمنية الأصل، ذات الحسب والنسب، فائقة الجمال، العفيفة، النبيلة، الوفية، المُحصّنة عن الفسق- بأنها «لم تكن تملك شيئًا لتقدمه لوالده إلا جمالها»؟ وهل هناك شيء آخر ينتظره أي زوج من زوجته؟ أم أن الأب كان يحمل توقعات غير واقعية؟ هل كان ينتظر منها -مثلًا-أن تتعلم وتحضر له شهادة جامعية لتعمل في أحد القطاعات وهي التي عاشت كامل حياتها في قرية حدودية غير صالحة للحياة، منقسمة بين بلدين وفقيرة ؟ أم أن «جيلان» نفسه -قد تشوه وعيه- وأصبح يرى القيم بميزان المال تمامًا كما رآها ومارسها عليه سجّانوه. لعل النص هنا يلمس منطقة فلسفية: هل يفسد العنف إدراك القيمة؟ وهل يعيد تشكيل معايير الإنسان لينقلب على العلاقات حتى وإن كانت نقية؟ وعلى الرغم من أن»جيلان» ذكر مرارًا أن النعم التي نزلت عليه خلال سنوات خطفه وحبسه فاضت من صدور النساء اللاتي رأفن عليه، وترفقن به إلا أنه وفي سياقات كثيرة يكاد ينتقص مما قدمنه، مؤكدًا أنهن لم يقدمن له غير المشاعر، والحب، والرحمة.. كما أنه أكد في لحظة فراقه لحبيبته أنها أحبته أكثر مما أحبها، وأن الأم الإثيوبية التي رحمته لم ينل منها إلا حبها، وعطفها، واهتمامها، وخوفها الدائم عليه.. ماذا أردت منها ومنهن جميعًا يا جيلان؟ ماذا انتظرت أكثر من ذلك؟ أو لم يغنك كل هذا البذل من رحمة؟ ويروي أنه لم يقدم لتلك الأم إلا عناقا، وهنا مرة أخرى نسأل: هل العناق قليل يا جيلان؟ جيلان يعاني بالفعل من اضطراب في قراءة المشاعر وتقديرها، اضطراب حمله معه منذ الطفولة إلى ما بعدها، وهنا استطاع الكاتب بنجاح أن يرسم لنا أثر الصدمة والمرض على بطله، حتى حين يثير حفيظة القارئ. وعلى الرغم من حاجة جيلان الملّحة لحنو أمه ولمستها، ورائحتها، وعناقها إلا أنه عجز عن إعطاء المشاعر حجمها الطبيعي؛ لعل الدلال الذي حصل عليه في الأحواش أفسده! إذ أن الجميع كان يحبه ويثني على جماله وحسنه وبهاء وجهه وبشرته! واشارته للنساء الجميلات والفاتنات وقوامهم وخصورهم، وترهلهم، وتغييب أشكال الرجال إلا قليلًا -هذا- مع كل ما مر به هو وجميع من حوله ، أولئك الذين أحبهم ولم يأخذهم معه إلى منزل أمه وأبيه بل اكتفى بتوصية الضابط الذي تولى حمايتهم أن يحملهم إلى الطائرات التي توصلهم إلى بلدانهم. أي قلب قدّ من حجر داخل صدرك يا جيلان؟ بعد كل ما مررت به معهم؟ أين ذهب بكائك وحساسيتك ورهافتك الأقرب إلى النساء أين تاهت منك؟ هنا تبلغ الرواية برأيي إحدى ذراها المؤلمة: حين تصبح النجاة نفسها مشروطة بفقدان القدرة على الحنان، أكان مشروطًا؟ لقد كان «مدخلي» شجاعًا جدًا في كل ما قدمه في روايته «حوش عباس» من طرح للبشاعة التي تحدث بين الحدود وداخل الدول على ضفتيها، وفي البيوت والأسواق، بل وأوسع في حبر قلمه لينقل تفاصيل أليمة يجب الوقوف عليها اليوم وفهمها؛ لأن علاج الداء يبدأ باكتشافه وفهمه. أرى أن الرواية بلغت قوتها حين علا صراخ شخصيات النص البارزة من حناجرهم أثناء خروجهم الأخير من «حوش منشبة» مرددين معًا بصوت واحد: «عاشت الأوطان آمنة.. عاش الوطن» سعوديين: الضابط وجيلان، وثلاث عدنيات: زُلالة، رانية، سُلاف، وتعزّي: حوذان، وإثيوبية: رحمة.. هنا يظهر لنا خيط الرواية رفيعًا وواضحًا: الوطن غال، والانتماء إليه ميل طبيعي في الإنسان، ومن لا يحمله يعاني من تشوه في ذاته، أيًا كان موطنه، فمن يحمل وطنه يحمل الأوطان جميعها، أيًا كانت لغته ودينه، وأيًا كان ما فعل. « بلادي وإن جارت عليّ عزيزة * وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام» أخيرًا: نوصي كاتبنا جابر مدخلي -بعد هذا العمل الجريء – أن يُدخل بطله «جيلان» مصحة نفسية؛ ليستعيد توازنه، وبالذات بعد أن وصل إلى بيتهم بعد مرارة، وطول يأس، وغياب، وبعد أن احتضن إلى صدره الفاقد أمه وأباه وأخته أماني وأخوه الصغير زاهر.. لأن النجاة الجسدية ليست نهاية جيلان بل بدايته، كما نرجوه أن يضع على عتبة غلاف الطبعات القادمة تنبيه هام: إن هذا النص لا يصلح لأصحاب القلوب الضعيفة. وأن يوصى بحمل كمية كبيرة من المناديل أثناء القراءة لأن النص مثير للبكاء كثيراً. *روائية وكاتبة سعودية