هوية المدن تبدأ من تراثها العمراني.
لكل مدينة ملامحها التي تشكلت عبر الزمن، ويعد التراث العمراني أحد أهم العناصر التي تحفظ هوية المكان وتبرز خصوصيته. فالبيوت والأسواق والحصون والأحياء التاريخية تكشف كيف تعامل الإنسان مع بيئته، وطور حلولًا معمارية انسجمت مع المناخ والموارد المحلية، كما تعكس القيم الاجتماعية التي تعاقبت عبر الأجيال. تزخر المملكة العربية السعودية بإرث عمراني متنوع يمتد من العمارة الطينية في نجد، إلى المباني الحجرية في الجنوب، والمنازل التاريخية في الحجاز، والعمارة الساحلية في المنطقة الشرقية. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل هوية معمارية ثرية ارتبطت بالمناخ والبيئة والموارد المحلية، فكان لكل منطقة طابعها الذي يميزها عن غيرها. وخلال السنوات الأخيرة، أصبح الاهتمام بالتراث العمراني جزءًا من مسيرة التنمية، بعدما أظهرت المشاريع والمبادرات قدرة المواقع التاريخية على الإسهام في الاقتصاد المحلي، وتنشيط السياحة، ودعم الصناعات الثقافية، إلى جانب تعزيز الهوية الوطنية. وعند إعادة تأهيل المباني التاريخية وفق أسس علمية، فإنها تستعيد دورها في خدمة المجتمع، سواء كمراكز ثقافية، أو متاحف، أو مرافق سياحية، أو مقرات للأنشطة الإبداعية. وتطوير التراث العمراني لا يقتصر على أعمال الترميم، وإنما يبدأ بالتخطيط السليم، والتوثيق الدقيق، وإعداد الكفاءات الوطنية المتخصصة في مجالات الحفاظ على المباني التراثية، مع الاستفادة من التقنيات الحديثة في أعمال المسح والتوثيق والمتابعة، بما يضمن الحفاظ على أصالة المبنى وجودة التدخلات التي تجرى عليه. كما أن مشاركة المجتمع عنصر رئيس في نجاح مشاريع الحفاظ على التراث. فكلما ازداد وعي السكان بقيمة التراث وارتباطه بالهوية الوطنية، ارتفعت فرص المحافظة عليه واستمراره. ويأتي دور الجامعات، والجهات الحكومية، والجمعيات المهنية، والإعلام في نشر ثقافة العناية بالتراث وتعزيز الشعور بالمسؤولية تجاهه. ومن المهم أيضًا تشجيع الاستثمار في المباني التراثية وفق ضوابط تحافظ على قيمتها التاريخية، مع توفير حوافز تساعد الملاك على إعادة تأهيلها واستثمارها بصورة مستدامة. وقد أثبتت العديد من المبادرات أن المباني التاريخية يمكن أن تتحول إلى مشاريع ناجحة اقتصاديًا دون أن تفقد هويتها المعمارية. وفي الوقت نفسه، تحتاج المدن الحديثة إلى الاستفادة من عناصر العمارة التقليدية عند تصميم المشاريع الجديدة، سواء في استخدام المواد المحلية أو معالجة المناخ أو تشكيل الفراغات العمرانية، حتى تبقى الهوية المعمارية حاضرة في المشهد الحضري، ولا تتحول المدن إلى نسخ متشابهة تفتقد خصوصيتها. إن المحافظة على التراث العمراني مسؤولية وطنية تتطلب تعاون الجميع، لأن ما يحافظ عليه اليوم سيكون جزءًا من تاريخ الأجيال القادمة. فالمدن التي تصون تراثها تكسب احترام سكانها وزوارها، وتؤسس لمستقبل يرتبط بجذوره، ويستفيد من الماضي في بناء حاضر أكثر جودة واستدامة. * متخصصة في القطاع الثقافي