المشاهد للأحداث يرى أنه بعد كل ضربة عسكرية يغلق فصل من الفصول لكن القصة تبقى مفتوحة. فرغم ما حدث للإيرانيين من فقدانهم للقيادات العسكرية والسياسية وعلى رأسها المرشد الإيراني الذي خلق بمقتله فراغا سياسا غير مسبوق أدى إلى انتقال السلطة إلى قادة الحرس الثوري، ورغم العقوبات الأمريكية وخنق الاقتصاد الإيراني وحصار مضيق هرمز ضمن عملية( الغضب الاقتصادي الأمريكي) بالإضافة إلى الضغوط والاحتقان داخل إيران والتوازن الهش بين قياداته، إلا أنه مازال هناك هامش يسمح للإيرانيين بمناورة عسكرية هنا أو هناك، مستخدمين مضيق هرمز ورقة ضغط (سياسية _ اقتصادية _ عسكرية) كبيرة توهم بها الشعب بفكرة الانتصار في حال انتهاء الحرب. هذا على الجانب الإيراني. أما ما يخص الطرف الآخر فقد تمكن الأمريكيون من تدمير وشل القوة العسكرية الإيرانية بشكل شبه كامل بما فيها من دفاع جوي وبحرية وأنظمة صاروخية ومنشآت نفطية، ناهيك عن الوفيات والإصابات البشرية والأضرار المادية والاقتصادية المباشرة وغير المباشرة. إلا أنه ومع كل هذا الدمار لم يستطع دونالد ترامب إعلان انتصاره في هذه المعركة لإدراكه أن الخسائر الكبرى التي حلت بالاقتصاد الأمريكي والعالمي نتيجة هذه الحرب تجعل إعلانه الانتصار أمرا غير مقنع خاصة في الداخل نتيجة للضرر المباشر الذي لحق بالفرد الأمريكي. وبما أن الطرفين مازالا في حالة حرب وتفاوض حول إنهائها فإن القصة تبقى مفتوحة حتى لو أغلق فصل أو أكثر من فصولها. والقصص المفتوحة في الحروب والنزاعات هي أخطر أنواع الحلول، حيث تموت الثقة مع الوقت وتتعمق الأزمات، وتكون إدارة الصراع وسياسة عض الأصابع هي الاستراتيجية المناسبة، وتسيطر فكرة “ أن الاستمرار أفضل من التنازل”، وهذا فخ استراتيجي يصعب الخروج منه إلا بخسائر فادحة تطال حتى من هم خارج القصة. لذلك اعتقد أن الحل الأمثل للخروج من هذه القصة هو الابتعاد تماما عن فكرة الحلول العسكرية، ولعل أفضل سيناريو هو انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية بشكل كامل من الحرب وحمل الملف النووي الإيراني معها إلى مجلس الأمن، ومناقشته مع الأعضاء وفقا لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية باعتبارها الأساس القانوني للنظام النووي العالمي. ولأن إيران واحدة من الدول المصادقة على هذه الاتفاقية، وتصر دائما وفي كل المحافل على أن برنامجها النووي هو برنامج سلمي ومدني، وأن مبادئ الجمهورية الإيرانية تمنعها من اللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية، ولكون هذه المعاهدة تضمن حقها في تطوير واستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، فاعتقد أنها سوف توافق على إبرام اتفاق تتخلى فيه عن طموحها النووي باستثناء ما هو مدني وسلمي، إذا ما قترن ذلك برفع الحصار عنها والغاء العقوبات المفروضة عليها وفك تجميد أرصدتها، إلا أن الشرط الذهبي لهذا الاتفاق هو أن يصدر بقرار تحت الفصل السابع من ميثاق مجلس الأمن الذي يعطي الحق في (استخدام القوة برا وبحرا وجوا) في حال الاخلال به، واجزم بأن هذا القرار وفق هذه المعطيات سيمر ولن يواجه بالفيتو الصيني أو الروسي كون هاتين الدولتين ضمن الدول الأعضاء المصادقة على الاتفاقية، ناهيك عن الحرج والمأزق الكبير الذي سيواجهانه أمام العالم في حال استخدامهما لهذا الحق بعد هذا الكم الهائل من الخسائر الاقتصادية التي تعرض لها العالم بأسره، والتي شملت ارتفاع أسعار النفط والغاز ، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، وانقطاع سلاسل الإمداد وارتفاع مستويات التضخم وغيرها الكثير. أما ما يخص مضيق هرمز فسوف يتم فتحه تلقائيا من قبل إيران إذا ما تم هذا السيناريو كون العلاقة بين برنامجها النووي وإغلاق المضيق هي علاقة طردية بامتياز، فإغلاقه كان نتيجة تبعية لما تعرضت له من ضربات قاتلة وعقوبات خنقت اقتصادها بسبب ذلك البرنامج وفي حال رفع الحصار عنها والغاء العقوبات المفروضة عليها نتيجة التزامها بقرار مجلس الأمن فإنها ستكون أول من يسارع إلى فتح المضيق على مصراعيه وبصفر من الشروط من أجل تحريك عجلة اقتصادها المتهالك ومحاولة النهوض من جديد عبر تصدير نفطها واستيراد غذائها. ومن أجل الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة تلتزم ايران بالوقف الفوري والدائم لدعم أو تمويل أو تسليح أي جماعات أو مليشيات تستهدف دول المنطقة، واحترام سيادة وسياسات الدول الإقليمية وحل الخلافات عبر الحوار فقط وتحت ظلال القانون الدولي. واعتقد أن إيران بات لديها الاستعداد الكامل للالتزام بكل ذلك لتخرج من هذه الدائرة وتنهي فصول هذه القصة الطويلة التي بدأت منذ ٤٧ عاما كانت نتائجها دولة منبوذة واقتصاد مشلول، وشعب فقير،وجيل بأكمله ولد وعاش تحت العقوبات. *عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية