المربعات الآسرة

نولد إلى هذا العالم بآفاق مفتوحة لا تحدها جدران، ونمضي في أيامنا الأولى كصفحات بيضاء مستعدة لاستيعاب كل تفاصيل الوجود. لكننا لا نلبث أن نبدأ في بناء عوالمنا الخاصة؛ نشيدها من كلمات عابرة ومواقف عارضة. كلمة يلقيها أب في لحظة غضب، أو توجيه يصدره معلم في سياق عابر، أو سخرية يطلقها صديق، أو حتى حديث سري نهمس به لأنفسنا في لحظة انكسار وضعف. هذه الكلمات لا تموت بانقضاء وقتها، تظل تتكرر في وعينا الداخلي، وتتردد أصداؤها حتى تتجاوز كونها مجرد عبارات عابرة، وتتحول إلى عدسات ننظر من خلالها إلى أنفسنا وإلى الحياة من حولنا. هذه المربعات الآسرة؛ تلك الأطر الذهنية التي تتشكل من مزيج معقد من التجربة، واللغة، والشعور، والتكرار، لتتحول مع مرور الزمن من مجرد أداة لتفسير الواقع إلى الواقع عينه في نظر صاحبها، فلا يعود الإنسان يفكر في الفكرة، بل يصبح عاجزاً عن التفكير إلا من خلالها. وتبدأ هذه المربعات في التسلل إلى عمق الهوية بخطوات ناعمة وعبارات تبدو بسيطة في ظاهرها. فقد يمر طفل بتجربة ارتباك أثناء قراءة نص في المدرسة ويواجه بسخرية زملائه، فيتبنى في تلك اللحظة قناعة صغيرة تقول: “أنا لا أُجيد الحديث أمام الجمهور”. ومع الأيام، يكبر هذا الطفل ويصبح طبيباً بارعاً أو مهندساً عبقرياً، لكنه يعتذر عن كل منصة، ويرفض كل ترقية تتطلب مواجهة الناس، فهو لا يفتقر إلى المهارة، لكنه ما زال أسيراً داخل مربع الخوف القديم. وبالمثل، قد يتعرض إنسان لخذلان من شريك، فيسارع لتبني مربع حماية عريض يقتنع فيه بأن “كل الناس مصالح، ولا أحد يستحق الثقة”، فيتحول في علاقاته اللاحقة إلى محقق يحاكم النوايا ويفسر الطيبة على أنها مكر، فيحميه هذا المربع من ألم الخذلان فعلاً، ولكنه يسجنه في عزلة موحشة ويحرمه من صدق العاطفة. هكذا تتحول الجملة البسيطة بالتكرار من وصف لحادثة عابرة إلى تعريف دائم للذات، ومن رأي شخصي قابل للمراجعة والتفنيد إلى يقين مطلق يصعب مساءلته أو الفكاك منه. وأخطر ما في هذه المربعات أنها لا تكتفي بالتشكل مرة واحدة في حادثة بعيدة، بل تعيد إنتاج نفسها كل يوم عبر سجن أدق وأخفى: سجن الكلمات التي نرددها في حوارنا الداخلي دون وعي منا. فحين يقول الإنسان لنفسه صباح كل يوم، بصوت خافت لا يسمعه أحد سواه: “أخاف أن يحدث كذا”، أو “أنا إنسان غير متفائل”، أو “الأمور دائماً تسوء معي”، فإنه لا يصف حالة عابرة، إنه يكتب برمجة تتكرر حتى تصبح أمراً موجهاً لانتباهه وقراراته وحتى لغة جسده. فاللغة هنا ليست مرآة تعكس الواقع فحسب، إنها يد تشكّله؛ فالذي يكرر “لن أستطيع” يهيئ عقله لرصد كل إشارة تؤكد العجز ويتجاهل كل إشارة تنقضه، والذي يقول “أنا غير متفائل” يحوّل هذه الجملة إلى نبوءة تحقق ذاتها، فيرى في كل حدث محايد دليلاً إضافياً على صدق مقولته. وهكذا تتحول الكلمة العابرة، بتكرارها الصامت، إلى قضيب من قضبان المربع، لا يُرى لأنه لا يُنطق بصوت عالٍ، لكنه يحكم التصرف والمزاج والاختيار بصمت من لا يُسأل عن حضوره. ولا تقف هندسة هذه السجون الذهنية عند حدود تجاربنا الشخصية وحوارنا الداخلي فحسب، لكنها تتغذى بغزارة على الموروث الجمعي والثقافي الذي يتسرب إلى وعينا دون أن نشعر. فالأمثال الشعبية المتداولة، والأحكام الجاهزة التي تلوكها الألسن، والأغاني والقصص المكررة، تعمل كمصانع غير مرئية لإنتاج هذه المربعات وتثبيتها. حين ينشأ جيل على قناعة راسخة بأن “الوظيفة التقليدية هي الأمان الوحيد، وأن المغامرة درب من الجنون”، فإن هذا المربع يسجن آلاف المواهب والاستثناءات في قوالب رتيبة يكرهونها، بدافع الخوف من الخروج إلى فضاء الاستثمار أو الابتكار. إن هذا الإرث لا يفرض طريقة التفكير علينا فحسب، إنه يحدد سلفاً ما نراه ممكناً وما نراه مستحيلاً، فيرسم حدود أحلامنا قبل أن تبدأ. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالعقل البشري بطبيعته لا يستطيع أن يعيش في فوضى مطلقة بلا أطر، إذ إن هذه الأطر والقناعات هي وسيلته لتنظيم العالم وفهمه، تماماً كالجدران التي تحمي البيت من تقلبات الطقس. فالأزمة الحقيقية إذن ليست في وجود المربع بذاته، المشكلة في تحوله من أداة مرنة للفهم والارتقاء إلى سجن مغلق يمنع المعرفة الجديدة ويحجب ضوء الحقيقة المتجدد. وأخطر ما في هذه المربعات ذلك الشعور المخادع باليقين والراحة الذي تمنحه لساكنيها. إنها لا تشعر الإنسان بأنه يعيش في زنزانة، إنها تقنعه تماماً بأن هذه الجدران الضيقة هي نهاية الكون وحدود العالم المطلقة، مما يدفعه للدفاع عن سجنه الفكري باستماتة ظناً منه أنه يدافع عن الحقيقة والفضيلة. بناءً على ذلك، فإن مشروع التحرر والوعي لا يدعو أبداً إلى هدم كل القناعات، ولا إلى التشكيك العبثي في كل الموروث، ولا إلى العيش في عراء فكري بلا مرجعيات، فذلك ضياع ووهم آخر لا يقل خطورة. إنما يدعو هذا المفهوم إلى خطوة أكثر عمقاً وتواضعاً: أن نملك القدرة على “رؤية المربع” وتأمله قبل أن نحكم من خلاله. وإذا كانت بعض المربعات تُبنى فينا قسراً، بفعل الصدفة والألم والتكرار العشوائي، فإن ثمة مربعات أخرى يمكن أن تُبنى فينا بوعي وإرادة، بل بمعية أعلى من إرادتنا الفردية، فتتحول من قيد إلى فضاء رحب. وهنا تكمن الحكمة العميقة في برمجة الدين الإسلامي لوجدان الإنسان عبر الأذكار الصباحية والمسائية؛ فحين يبدأ المسلم يومه بعبارات “حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت”، و”اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك”، و”رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً”، فإنه لا يؤدي طقساً فارغاً، إنه يعيد كل صباح صياغة مربعه الداخلي على أسس الرضا والتوكل والاطمئنان، بدل أسس الخوف والريبة والتشاؤم التي قد يزرعها فيه العالم من حوله دون استئذان. إن هذا التكرار الواعي، الموصول بغاية أسمى من الذات، يشبه إعادة برمجة يومية تُحصّن القلب من عشوائية الكلمات الجارحة التي يلتقطها الإنسان من محيطه، وتستبدل بها عبارات مُختارة بعناية: لا خوف على من توكل، ولا ضيق على من رضي، ولا وحشة على من استشعر معية الله. وبهذا تتحول الأذكار من أداة تعبدية بحتة إلى مربع نور يُختار بوعي كامل، فيغدو سكناً للروح لا سجناً لها، ودليلاً يهدي به الإنسان نفسه في متاهة الكلمات، بدل أن تقوده كلماته العشوائية إلى متاهات لم يخترها. فالوعي الحقيقي لا يبدأ حين نغير أفكارنا بشكل متسارع، يبدأ حين نكتشف فجأة أن ما كنا نظنه يقيناً ثابتاً وحقيقة مطلقة، ليس سوى فكرة قديمة ألفناها واعتدنا عليها حتى نسيت عقولنا كيف تضعها موضع التساؤل. إن الخطوة الأولى نحو الحرية الفكرية والنفسية ليست في كسر المربع، الخطوة تبدأ بالاعتراف بوجوده وتحديد مكانه؛ لأن الجدار الذي تراه وتدرك أبعاده يمكنك دائماً أن تبحث عن بابه أو تصنع فيه نافذة، أما الجدار الخفي الذي لا تراه، فسوف تظل تسميه وطناً وتعيش فيه غريباً عن ذاتك. وفي نهاية المطاف، تتلخص رحلة الوعي كلها في غاية واحدة: لسنا نسعى إلى أن نعيش بلا مربعات، لكن يُفترض بنا أن نسعى جاهدين ألا نموت داخل مربع لم نلجأ إليه بمحض إرادتنا، ولم نختره بوعينا الكامل.