تُعد تجربة الفنان مزاحم الناصري من التجارب البصرية المعاصرة المتميزة بجدارة عالية التي تدمج بين الواقعية المفرطة والسريالية الرمزية، حيث لا يقف عند حدود محاكاة الشكل الخارجي، بل ينفذ إلى عمق عوالم شعورية إنسانية مركبة. تظهر أعماله كحوارية مفروضة ومستمرة بين «الجسد» بكل رمزياته و»العنصر الطبيعي»، مستخدماً تقنيات وترتيبات لونية وضوئية تعيد تعريف المساحة الفنية من جديد. الرؤية الفلسفية.. الحلم كواقع بديل تندرج أعمال الناصري ضمن ما يمكن تسميته بـ «الواقعية السحرية». إن وضع عناصر مثل «عصافير» أو «فراشات» أو «أسماك» في سياقات غير مألوفة (على الكتف، أمام العين، داخل نسيج الثوب) يعكس رغبة الفنان في الهروب من الواقع المباشر نحو «الحلم». هو لا يرسم ما يراه، بل يرسم «كيف يشعر» بما يراه. تجربة مزاحم الناصري هي محاولة جادة لتعريب المفاهيم السريالية المعاصرة وتقديمها بقالب تقني رفيع المستوى. هو فنان يمتلك أدوات «المعلم» الحصيف في السيطرة على اللون والظل، لكنه يستخدم هذه القوة التقنية لخدمة قضايا وجودية وشعورية عميقة، مما يجعل لوحته عابرة للحدود البصرية التقليدية. قراءة نقدية أكاديمية يذهب الناصري إلى الانزياح نحو «الأنسنة» والرمزية المائية، بينما يهيمن عنصر «السمك» على العديد من تكوينات أعماله، وأكاديمياً، يمثل السمك في الفن رمزاً للسيولة، الانسيابية، والحرية. لكن الناصري يخرجه من بيئته المائية ليضعه في سياق «إنساني»، حيث تسبح الأسماك حول الوجوه أو تخرج من مسام الجلد. هذا التضاد المكاني يخلق حالة من «الاغتراب الجمالي»، حيث يلتحم الكائن المائي بالبشر ليعبر عن المشاعر الدفينة التي تسبح في اللا وعي الإنساني. كما أن بلاغة الضوء والظل (الدراما والتشكيل، يعتمد الأسلوب المعروف الكياروسكورو (Chiaroscuro) بشكل عصري، وهو مصطلح فني إيطالي الأصل، ويُقصد به بالعربية «الجلاء والقتمة» أو التباين بين الضوء والظلال، الذي يتكون من جزأين: (Chiaro : تعني «مضيء» أو «فاتح») و(:Scuro تعني «مظلم» أو «قاتم»).. حيث يستخدم التباين الحاد بين العتمة والضوء لتركيز الانتباه على الانفعالات الجسدية. تعتمد هذه التقنية على استخدام «تباين حاد وقوي» بين المناطق المضيئة والمناطق المظلمة في العمل الفني. والهدف الأساسي منها هو: خلق التجسيم، باعطاء الأشكال ثنائية الأبعاد (على الورق أو اللوحة) مظهراً ثلاثي الأبعاد ذا كتلة وعمق. مع الدراما والتركيز في توجيه عين المشاهد إلى نقطة محددة في اللوحة من خلال تسليط ضوء ساطع عليها وسط خلفية مظلمة. إضافة إلى الطابع العاطفي، الذي غالباً ما تمنح هذه التقنية العمل الفني جواً من الغموض أو الرهبة أو الواقعية الشديدة. وقد ظهرت بدايات هذه التقنية في عصر النهضة، لكنها وصلت إلى ذروتها في العصر الباروكي: فنجد أن الضوء لا يسقط بشكل عشوائي، بل يعمل كمشرط يحدد ملامح الحزن، الدهشة، أو السكينة. حيث تظهر الوجوه أحياناً وكأنها تشع ضوءاً من الداخل، خاصة في اللوحات التي تدمج بين ملامح الأنثى وعناصر الطبيعة كالزهور أو الفراشات، مما يوحي بقدسية الحالة النفسية المصورة. الجسد كفضاء تعبيري لا يتعامل الناصري مع الجسد البشري (خاصة الأنثوي) كموضوع جمالي بحت، بل كمنصة لسرد القصص. فالحركة والسكون، في لوحات الراقصات، يبرز الناصري قدرة فائقة على تجميد «اللحظة الهاربة»، حيث تتطاير الأقمشة والفساتين لتتحول إلى غيوم لونية تجريدية، مما يحقق توازناً بين «التشخيص» و»التجريد». كما ان التداخل مع الطبيعة نلاحظ تحول الجلد في بعض الأعمال إلى أوراق شجر أو بتلات زهور، وهو ما يحيلنا إلى مفاهيم «وحدة الوجود» فنياً، حيث يذوب الإنسان في الطبيعة وتذوب هي فيه. الخامة والتقنية (بين الواقع والوهم) يظهر التمكن التقني للناصري في محاكاة الملمس، فالمعدن والذهب، في بعض التكوينات، يحاكي الفنان ملمس الرقائق الذهبية أو الأسطح المجعدة بدقة مذهلة، مما يعطي العمل بعداً «مادياً» يغري حاسة اللمس. وفي الماء والدموع، يبرع في تصوير الانعكاسات المائية على الوجه، حيث تتحول قطرات الماء إلى عدسات مجهرية تعكس الضوء والمحيط، مما يعزز من واقعية المشهد الحسية. * بغداد