« كأس العالم» بوصفة مدرسة ..ي

عن العزيمة أمام الهزيمة .

كأس العالم البطولة الرياضية التي تُحسم فيها النتائج خلال تسعين دقيقة، أصبحت ظاهرة ثقافية عالمية تُظهر ما يختبئ في وعي المجتمعات. في كل أربع سنوات تمتلئ المقاهي، وتجتمع العائلات، ويجد ملايين الشباب أنفسهم يتابعون ذات الحدث، يحللون الأداء، ويدافعون عن لاعب أو مدرب أو منتخب بحماسة تفوق حماستهم لقضايا أكثر التصاقًا بحياتهم اليومية. هذه المنافسة الرياضية، تُخفي في عمقها قضايا الهوية والانتماء، والصورة التي ترى بها الشعوب نفسها أمام الآخرين وكيف ترى الآخرين أيضاً. وفي الحديث عن الانتماءات التي تبدأ من الدائرة الأقرب؛ من الأسرة، ثم الحي، ثم المدينة، ثم الوطن، ثم الدائرة الحضارية والثقافية والدينية التي تمنح الإنسان شعوره بالانتماء إلى جماعة أكبر. ينتج عن هذا طبيعيا أن يقف المواطن خلف منتخب بلاده، وأن يجد في انتصاره امتدادًا لانتصاره الشخصي، لأن المنتخب بلاعبيه الأحد عشر يمثل تاريخه أمامه ويحمل علمه، ولهجته، وذاكرته، واحتمالات أحلامه. ومما يدعو للالتفات هو التحولات التي تحدث بعد خروج المنتخبات الوطنية، حين يبدل بعض المشجعين قمصانهم سريعًا، وينتقلون لتشجيع منتخبات أخرى، حتى وإن كانت تلك المنتخبات تنتمي إلى دول لا تشترك معهم في التاريخ أو الثقافة، وربما تحمل مواقف سياسية أو حضارية تناقض مصالحهم أو تنظر إليهم باستعلاء. لنغادر حدود الرياضة، ونقع في المساحة الثقافيًة، فهل أصبح الانتماء يُبنى على القوة وحدها؟ وهل صار الإنسان يميل إلى المنتصر لأنه منتصر، لا لأنه الأقرب إليه هويةً وانتماءً؟ أحد جوانب جمالية المنافسة، هي الإعجاب بالأداء الرياضي، لكن الإعجاب شيء، والانتماء شيء آخر. فالإنسان يستطيع أن يصفق لمهارة لاعب أو لذكاء مدرب، دون أن يفقد بوصلته الثقافية أو يذيب هويته في انتصارات الآخرين. لكن حين يتحول الانبهار بالقوة إلى انتماء إليها، فإننا نكون أمام ظاهرة تشهد أزمة ثقة بالذات أكثر مما تظهر حبًا لكرة القدم. ولعل أخطر ما يكشفه كأس العالم الفارق في ثقافة الفوز، بجانب فارق المهارات. فالفوز ابتداءً فكرة تولد في العقل. كما كل إنجاز عظيم بدأ بفكرة مفادها: «نحن نستطيع». وما إن تستقر هذه الفكرة في وجدان الأفراد حتى تتحول إلى قناعة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى تدريب، ثم إلى مؤسسات، ثم تصبح عادة وطنية. من الجانب الآخر حين يؤمن الإنسان أن التفوق حكر على غيره، فإنه يهزم نفسه قبل أن تبدأ المنافسة. ولهذا أعظم ما تمنحه البطولات الكبرى للشعوب قبل الميداليات، إعادة تعريف الممكن، وإشعال الإيمان بأن الوصول ليس امتيازًا لأمة دون أخرى. وقد قدمت المنتخبات العربية في السنوات الأخيرة شواهد مهمة على ذلك. فعندما هزم المنتخب السعودي بطل العالم في قطر عام 2022، حملت نتيجة الحدث الرياضية لحظة نفسية كسرت يقينًا راسخًا بأن التفوق العالمي بعيد المنال. كما حدث حين قدم المنتخب المصري في كأس العالم 2026 أداءً جعل الجماهير العربية، حتى غير المهتمة بكرة القدم، تلتف حوله وتتابع مبارياته، رغبةً في فوزه، لأن الناس رأت في ذلك صورة مختلفة عن اللاعب العربي؛ اللاعب الذي يدخل الملعب نِدًّا لِنِدّ، لا مهزوم ينتظر الخسارة. وفي ذات السياق، كان صعود المغرب وتألق أسود الأطلس لحظةً وجدانية كبرى، لم يحتفل بها المغاربة وحدهم، بل احتفل بها العرب من المحيط إلى الخليج كأن الانتصار يخصهم جميعًا. ففي تلك اللحظات لا ينتصر منتخب وحده، بل ينتصر الأمل في وعي أمة كاملة. وهنا تحديدًا ظهر معنى آخر للانتماء. فنحن كثيرًا ما نقسو على بعضنا، ونمارس عنصرية داخلية ضد ذواتنا وضد بعضنا بعضًا، ونقلل من شأن إنجازاتنا، ونشكك في قدرة العربي حين ينجح، ونبحث سريعًا عن تفسير خارجي لكل تفوق يصدر منّا. لكن شهدنا في كأس العالم أن هذه القسوة ليست الحقيقة. فقد أظهر الفرح العربي المشترك أن بين الشعوب العربية وُدًّا كامنًا وانتماءً أكبر وأجمل مما نتمنى. فمشاركة الحزن سهلة، لأن الإنسان يتعاطف مع المنكسر بطبعه، أما مشاركة الفرح فهي الامتحان الأصعب؛ أن تفرح لقوة غيرك، وأن ترى انتصاره لا ينتقص منك بل يرفعك معه، فهذا يعني أنك تحمله فيك، وأنك تراه داخل دائرة انتمائك. ولذلك كان الفرح العربي بالمغرب ومصر والسعودية فرحًا كاشفًا: كشف أن العرب، رغم خلافاتهم وحساسياتهم وعنصريتهم المتبادلة أحيانًا، ما زالوا قادرين على أن يتعرفوا إلى أنفسهم في انتصار بعضهم. وحتى حين تتعدد التصورات حول الهوية داخل بعض المجتمعات، كما في المغرب حيث يعرّف بعض أبنائه أنفسهم بوصفهم أمازيغًا قبل أي تعريف آخر، فإن لحظة كأس العالم تجاوزت هذا الجدل. لم تقف الجماهير العربية عند حدود التعريفات، احتفلت بالمغرب جزءًا من فضائها الوجداني والحضاري. هذه البطولة قالت ما تعجز السياسة والثقافة عن قوله: إن الهوية شعور حي يظهر في لحظة الفرح. لحظة الفرح المشترك بالانتصار إعلان انتماء. وإذا تأملنا المنتخبات التي تتصدر العالم، وجدنا أن القاسم المشترك بينها بجانب الإمكانات والمواهب، والثقة بأبنائها. نجد من يقود هذه المنتخبات أبناءها، الذين يحملون لغتها، وثقافتها، ويشتركون مع لاعبيها في الذاكرة والوجدان. لأنهم حين يديرون فريقًا رياضيًا يعبرون عن مشروع وطني متكامل. وهذا يطرح علينا سؤالًا بالغ الأهمية: متى نؤمن بكفاءاتنا الوطنية؟ ومتى نتوقف عن الاعتقاد بأن النجاح لا يأتي إلا مستوردًا من الخارج؟ أليس جليا أن الأمم التي تثق بأبنائها تمنحهم مسؤولية القيادة تصل بهم حيث تحلم، بينما الأمم التي تشك في نفسها تظل تبحث عن خلاصها ونجاتها في الآخرين. عاشت منطقتنا طويلًا تحت أوصاف صاغها غيرنا، من قبيل «العالم الثالث» أو «الشرق الأوسط»، وهي تسميات لا تخلو من حمولة سياسية وثقافية، لأنها تحدد موقعنا من منظور الآخرين، لا من منظورنا نحن، ولنا ان نسأل نفكر « الشرق الأوسط» لمنن والعالم الثالث بأي معيار؟ واليوم ونحن نملك جامعات، ومراكز أبحاث، وتقنيات، ورؤوس أموال، وشبابًا متعلمًا، وعقولًا مبدعة، لم يعد السؤال: هل نستطيع؟ بل لماذا لا نصدق أننا نستطيع؟ ولماذا نستسلم أحيانًا لصورة عن أنفسنا بينما تتغير معطيات الواقع من حولنا؟ إن كأس العالم، في جوهره مدرسة ترينا وتشرح لنا معنى الانضباط، والعمل الجماعي، والإدارة، والصبر، والتخطيط طويل المدى، والثقة بالنفس. فإنه يذكرنا بأن الأمم التي تصعد إلى منصات التتويج لم تصل إليها صدفة، وإنما بعد سنوات طويلة من الاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي الرياضة، وفي المؤسسات، وفي بناء ثقافة تؤمن بأن النجاح حق يمكن بلوغه، لا حلم بعيد يستحقه الآخرون وحدهم. ولهذا فإن قيمة هذه البطولة الثقافية في الرسالة التي تتركها في عقول الأجيال. فإذا خرج شبابنا منها وهم أكثر إيمانًا بقدرتهم على المنافسة، وأكثر ثقة بأوطانهم، دون أن يخلعوا قمصانهم وينحازوا لمن غلبهم، ليعتزوا بهويتهم، ويكونوا أكثر قدرة على الفرح لإنجاز بعضهم، فقد حققت البطولة أعظم انتصار يمكن أن تصنعه. أما إذا خرجوا منها وهم يفتشون عن أنفسهم في قمصان الآخرين، ويقيسون قيمتهم بقدرتهم على الانتماء إلى المنتصر أيًا كان، فإن الهزيمة الحقيقية لم تقع في الملعب، بل وقعت في الوعي. لسنا بحاجة استعارة أمجاد غيرنا، بل إلى أن نصنع أمجادنا بأيدينا. والطريق إلى المنصات يبدأ من الإيمان بأننا نستحق الوصول إليها، وأن أبناء هذه الأمة، إذا امتلكوا الثقة، وأُحسنوا الاستعداد، ومُنحوا فرصة القيادة، قادرون على أن ينافسوا العالم دون أن يكون نجاحهم ومضة خاطفة، حين يعون إلى من ينتمون، وإلى أين يريدون أن يصلو.