يداك أوكتا وفوك نفخ.

العنوان مثل عربي يضرب لمن كان سببا فيما أصابه، فلا يلوم إلا نفسه. أي إن يديك هما اللتان أحكمتا ربطها القربة، وفمك هو الذي نفخها، فأنت الذي صنعت السبب والنتيجة معا. ثم تجاوز المثل أصله الحسي عن رجل وقربته ليصبح تعبيرا عن تحمل الإنسان مسؤولية ما آل إليه أمره بسبب قراراته واختياراته. خطر هذا المقل في ذهني لأنه يمثل دلالة خاصة عند الحديث عن ترجمة الأدب السعودي. فمنذ عدة سنوات نشطت مبادرات الترجمة، لكن لا حس ولا خبر كما لو ترجمات أدبنا مطر سقط في صحراء الربع الخالي. وجدب الاستقبال لأدبنا المترجم لا يعفي المؤسسات السعودية ومبادراتها من مسؤوليتها عن اختيار الأعمال للترجمة. فإذا كانت الاختيارات محكومة بالصدفة، أو بالمجاملات، أو بالاعتبارات الإدارية، أو إذا اقتصرت على أعمال لا تمثل أفضل ما أنتجه أدبنا، فإن ضعف الأثر يصبح نتيجة متوقعة. وعندئذٍ يصح استدعاء مثلنا أعلاه لأن صورة الأدب السعودي في اللغات الأخرى تبدأ من النصوص التي نختار نحن أن نعبر بها إلى العالم، قبل أن تتشكل بفعل المترجم أو الناشر أو القارئ. مناسبة هذا الحديث هو أن ملحق شرفات نشر خبر عن إعلان مركز البحوث والتواصل المعرفــي عن قائمــة جديدة من الأعمال الأدبية السعودية المرشــحة للترجمة إلى اللغة الصينيــة خــلال عــام2026. وفق الخبر هناك مشــروعات أخــرى تشــمل اللغتين اليابانية والأوزبكية. ضمت القائمــة الجديدة ٢٧ كتابا بينها أربع روايات وأربع مجموعات قصصيــة وديوان شعر واحد ومجموعة من كتب الدراسات والفكر والتراث. لا أعرف الآلية التي تُقترح بها الأعمال الأدبية للترجمة، ولا الكيفية التي تُفاضل بها الجهات المعنية بين كتاب وكتاب آخر، ولا الطريق الذي يصل به العمل إلى الناشر أو المترجم. وهذه في مقدوري ليست مسألة إجرائية هامشية؛ لأن ما يصل إلى اللغات الأخرى لا يمثل الأدب كله، بل يمثل، في الحقيقة، حصيلة سلسلة من الاختيارات السابقة على الترجمة: من يرشح؟ ومن يختار؟ وبأي معيار؟ وهل تُقرأ الأعمال قراءة نقدية قبل اعتمادها، أم تتدخل في الاختيار اعتبارات الشهرة، والعلاقات، والجوائز، والملاءمة المؤسسية، وسهولة التسويق؟ فصورة الأدب في الخارج لا يصنعها المترجم وحده، بل تبدأ قبل ذلك بكثير، عند اللحظة التي يُقرر فيها أن هذا العمل جدير بالعبور، وأن أعمالًا أخرى ستظل خارج مجال الرؤية. غير أن الخبر نفسه يعلن أن الغاية هي (التعرف على التجربة السعودية من الداخل، عبر أصوات الكتّاب والباحثين الذين وثقوا مراحل التحول الاجتماعي والثقافي، وقدموا رؤى متعددة حول الإنسان والبيئة والتاريخ). وعلى ما في هذه العبارة من جاذبية، لا تبدو لي واضحة الدلالة. فما المقصود بالتجربة السعودية؟ هل هي مجموع الوقائع التاريخية والاجتماعية التي مرت بها البلاد؟ أم هي أنماط الحياة التي تشكلت داخل المجتمع؟ أم هي التحولات التي طرأت على المدينة والأسرة والتعليم والعلاقات والقيم؟ وهل توجد تجربة واحدة متجانسة يمكن أن تحمل هذا الاسم، أم أن ثمة تجارب سعودية متعددة، تختلف باختلاف المناطق والطبقات والأجيال والبيئات والمواقع الاجتماعية؟ أما القول إن هذه التجربة تُقدم (من الداخل) فيوحي بوجود داخل وخارج، وبأن الكاتب المنتمي إلى المجتمع قادر، بحكم انتمائه، على تقديم معرفة أصدق أو أعمق به من معرفة المراقب الخارجي. لكن الانتماء الجغرافي أو الوطني لا يكفي وحده لإنتاج هذه المعرفة. فقد يعيش الكاتب داخل المجتمع، ومع ذلك يعيد إنتاج أكثر الصور سطحية عنه، وقد يأتيه كاتب أو باحث من خارجه فيرى فيه ما غاب عمن ألفه واستأنس به. فالداخل ليس موقعا جغرافيا فقط، بل هو درجة من النفاذ إلى الخبرة الإنسانية، والقدرة على كشف ما تخفيه الحياة المألوفة من تناقضات، وما تستره اللغة. تحمل (من الداخل) فرضية أخرى وهي أن الأعمال المختارة ستقدم صورة ذاتية في مقابل الصور التي صاغها الآخرون عن السعودية. وهذا مشروع؛ إذ يحق لأي مجتمع أن يتكلم بصوته، وأن يعترض على تمثيله من خلال الصور النمطية الخارجية. غير أن استبدال الصوت الخارجي بصوت داخلي لا يحل المشكلة بالضرورة؛ لأن الصوت الداخلي نفسه قد يتحول إلى خطاب تمثيلي رسمي، ينتقي من الواقع ما يرغب في عرضه، ويستبعد ما يربك الصورة المراد تقديمها. وهنا لا يعود الأدب اكتشافا للمجتمع، بل يصبح أداةً لصياغة صورة محسوبة عنه. وأخوف ما أخاف هنا هو أن الكتاب يستجيبون لهذه الفكرة فيكتبون لكي لا يربكوا الصورة المراد عرضها، وأن يكتبوا فقط لكي يترجموا؛ الكتابة التي أراها تحت الطلب. هناك غموض آخر وهو يوثق الكتّاب مراحل التحول الاجتماعي والثقافي. وما أعرفه هو أن التوثيق ليس هو الوظيفة الأولى للأدب، وإن حمل الأدب يحمل في نسيجه آثار زمنه وتحولاته. الرواية ليست تقريرا اجتماعيا، والقصيدة ليست سجلا تاريخيا، والقصة لا تُقاس قيمتها بمقدار المعلومات التي توفرها عن المجتمع. قد ينجح عمل في التوثيق لكنه يظل ضعيفا بوصفه أدبا، وقد ينشغل نص بتجربة فردية شديدة الخصوصية، ثم يكشف من خلالها عن المجتمع والتاريخ أكثر مما تكشفه عشرات الأعمال. لا أعرف لمن تعود الصياغة للمركز أن لكاتب الخبر، وحين عدت إلى الموقع لم أجد ما يشير إلى هوية المركز؛ فلا يوجد أي تعريف بالأهداف إلخ. وعلى أي حال سواء أكان هذا أم ذاك فإن ذلك لن يغير من سؤال المقال وهو هل نترجم الأدب لأنه يقدم معرفة عن السعودية، أم نترجمه لأنه أدب جيد؟ وهل المطلوب من العمل المترجم أن يكون وثيقة تعريفية بالبلاد، أم عملا فنيا قادرا على مخاطبة قارئ لا يعرف عنها شيئا؟ فتحويل الأدب إلى نافذة ثقافية ليس خطأ في حد ذاته، لكن الخطر يبدأ عندما تصبح قيمة العمل تابعة لمقدار ما يشرحه عن المجتمع، أو لما يقدمه من عناصر تبدو مميزة وغريبة وجذابة للقارئ الأجنبي. ليس في الطموح إلى العالمية ما يعيب الأدب، لكن الخطر يبدأ حين تصبح العالمية معيارا سابقا على الكتابة نفسها. عندئذ قد ينشأ ما يمكن تسميته بالأدب الموجه إلى الخارج، وهو أدب لا ينطلق من حاجة داخلية إلى التعبير، بل من تصور مسبق لما يرغب القارئ الأجنبي في قراءته. في هذه الحالة قد يميل الكاتب إلى تبسيط مجتمعه، أو إلى اختيار موضوعات بعينها لأنها أكثر رواجا في سوق الترجمة، أو إلى تقديم ثقافته بوصفها مادةً للشرح والتفسير بدل أن تكون فضاء حيا يعيش فيه النص. ومع مرور الوقت لا يعود الكاتب يكتب من داخل مجتمعه، بل يكتب عنه كما لو كان يقدمه إلى جمهور خارجي، فينشأ نوع من الاغتراب بين النص وبيئته الأصلية. لا يقتصر أثر هذا التحول على الكاتب وحده، بل يمتد إلى الأدب المحلي كله. فإذا أصبحت معايير الانتشار العالمي هي التي تحدد ما يستحق الكتابة وما لا يستحقها، فقد تتراجع موضوعات كاملة لأنها تبدو أقل قابلية للترجمة أو أقل إثارة لاهتمام المؤسسات الثقافية الأجنبية. وقد تُهمَّش تجارب الناس العاديين، واللهجات المحلية، والتفاصيل اليومية، لصالح موضوعات يُظن أنها أكثر قدرة على جذب الانتباه العالمي. ومع الزمن قد يفقد الأدب المحلي شيئا من تنوعه، لأن كثيرا من الأصوات ستسعى إلى الاتجاه نفسه، فتتشابه النصوص في موضوعاتها ولغتها وزاوية نظرها. علينا أن نعرف أن التاريخ الأدبي يقدم درسًا مختلفا تماما. فمعظم الأدباء الذين أصبحوا جزءا من الأدب العالمي لم يصلوا إلى ذلك لأنهم كتبوا للعالم، وإنما لأنهم كتبوا بصدق عن مجتمعاتهم. لم يحاولوا أن يجعلوا نصوصهم أقل محلية، بل جعلوها أكثر التصاقا بالأرض التي خرجت منها. وحين امتلكت هذه النصوص قوتها الفنية والإنسانية، جاءت الترجمة لتكشف أن التجربة المحلية يمكن أن تحمل دلالة إنسانية عامة. فكلما كان الكاتب أكثر وفاء لعالمه، كان أكثر قدرة على مخاطبة العالم كله، لأن الإنسان لا يتأثر بالعموميات المجردة، بل بالحياة الملموسة التي يجد فيها شيئًا من نفسه، مهما اختلفت اللغة والثقافة. ومن هنا تبدو المهمة الحقيقية أمام الأدب السعودي اليوم. ويملك مادة سردية وشعرية واسعة لم تُستثمر كلها بعد. وإذا استطاع هذا الأدب أن يعبر بلغته الخاصة، وأن يثق في خصوصيته بدل أن يخجل منها، فإنه سيبني لنفسه مكانة تتجاوز الحدود. أما إذا انشغل منذ البداية بإرضاء سوق الترجمة أو توقعات القارئ الخارجي، فإنه قد يحقق حضورا مؤقتا، لكنه يخاطر بفقدان العلاقة العضوية مع المجتمع الذي يمنحه مادته الأولى. فالعالمية ليست نقيض المحلية، وإنما هي أعلى درجات تحققها؛ إذ لا يصبح الأدب عالميا لأنه تخلى عن مكانه، بل لأنه جعل من ذلك المكان تجربة إنسانية قادرة على أن تُقرأ في كل مكان.