نهوض الشجعان
قطعة صغيرة غادرة! تتنقل بخباثة عبر الأوردة والشرايين، تُهاجم على حين غفلة، لتحدث تحوّلًا مفاجئًا وانقلابًا شرسًا، تُعيد تعريفًا جديدًا للحياة وكأنه ميلاد في عمر مختلف، مما يُثير التساؤلات المبهمة حول ما حدث وما سيحدث، وحين تأتي لحظة السؤال...تُغادر الحروف ويصبح السؤال محصورًا في حدقة العين المحدقة في الفراغ محاولًا العقل استيعاب وفهم ما يصعب فهمه، إنها تلك الجلطة اللئيمة التي تُصيب الدماغ فتجعل الأمور البسيطة شديدة الصعوبة ومعقدة الفهم، لكن رحلة التشافي منها هي اكتشاف عميق في مدى قدرة الإنسان على النهوض والمقاومة بشجاعة، وكأنه مولود من رحم معاناة مختلفة تحتاج إلى مخاض طويلٍ وقاسٍ يُشكّل المفاهيم من جديد، لتبدأ رحلة المواجهة الشرسة مع مرحلة التأهيل، ومن ثم الانخراط التدريجي مع المجتمع، لتتناثر الأسئلة القاسية ، فما بين نطق الكلمة الثقيلة، وما بين حركة الأطراف الصعبة، هناك بطولة مخفية وإرادة حقيقية لإعادة بناء ما هدم، وتكوين ذاكرة بطولية جديدة، وترميم الضرر الذي حدث، فحين يتأثر الدماغ بسبب الجلطة، قد تتأثر 32 ألف خليّة دماغية، وبالتالي يحتاج الدماغ إلى تحفيز لمعالجة الجهة المتضررة، وحين تبدأ رحلة التأهيل، فإن الدماغ يبدأ بتنظيم اللغة والوظائف الحركية، ورحلة طويلة ومؤلمة أحيانًا يواجهها هؤلاء الشجعان في حرب دفينة بينهم وبين ما يحدث في أدمغتهم من صراع ومحاولة لإنعاش تلك الأعصاب حتى تتشكّل من جديد من خلال إعجاز إلهي يُعيد تشكيل الروابط العصبية مرة أخرى، لتبدأ ملامح البطولة الشجاعة التي يواجهها كل من أصيب بسكتة الدماغ المفاجئة كل هذا لم أكن لأعرفه لو لم أراها أمامي، وهي تحاول بإصرار أن تتجاوز المعاناة بشجاعة، فرغم الإحباط الذي يصيبها، والأيام الصعبة التي لم يطّلع عليها أحد، إلا أنها تُخفي خلف ابتسامتها تلك التجربة الشجاعة في محاولة التخطي والصمود في وجه العاصفة التي واجهتها بثبات وعمق، فعلت ذلك بقناعة وشجاعة، لأن هُناك روح وقّادة مازالت حاضرة ومتواجدة بجماليّاتها وبذلك الأساس الرصين الذي تملكه، استطاعت مجابهة لؤم الجلطة...وتبعاتها! ما أثار هذا الأمر، هو جملة شدّتها حين قرات مقالي (فصاحة الروح) وبصوتها الشجي أوصلت لي مشاعرها وهي تقرأ لي هذه الجملة (خلف ذلك الصوت المتقطع وتلك اللعثمة المتعبة...) موضحة شدة الصعوبة التي مرّت بها وبشجاعة تحدثت عن معاناتها والتي كان جزء منها هذه اللعثمة، مما رجعت بي إلى الذاكرة في عدة محطات معها، أولها حين جاءنا الخبر على حين غرّة، ركضت بل طرت إلى المستشفى لأعرف ما حدث! فكان الجواب أنها لا تعرف أحدًا ولم تتعرف على أحد، ثم جاء اليوم التالي، وحين دخلت عليها، لا أعلم إن كنت أنعشت ذاكرتها ، لكنها حين رأتني تذكرتني وبكت قليلًا ثم ابتسمت، فتنفست الصعداء وعلمت أنها تقاوم بشجاعة ، ثم... مضت برحلتها ومعاناتها في رحلة العلاج، لتمضي بعدها الأيام والسنين، ويحين فرح ابنتها، ففي ذلك الحفل المبهج عرّفتني على فتاتين جميلتين قائلة لي: نوف... هاتين الفتاتين هن من علمنني الكلام من جديد! فشكرًا لدعمهما في رحلتها، والتي أؤمن بأن الأمر لم يكن مجرّد علاج فقط، بل كان هناك إحسان من نوع آخر! هذا المقال إهداء لشجاعة خالتي جواهر، ولمن عانى من السكتات الدماغية ومررن بالتجربة البطولية دون أن يعرف أحد كيف استطاعوا أن يخطوا خطوتهم الأولى وأن يُحركّوا أيديهم ليأكلوا اللقمة الأولى ينطقوا كلمتهم الأولى بعد عودة الترميم وإيقاض الذاكرة المعتمة، ليثبتوا للعالم أن الشجعان ينهضون دومًا...ولو بعد حين.