السكاكي وسؤال البلاغة من جديد.

لا أذكر أن اسمًا في رحلتي مع البلاغة العربية أثار في ذهني كل هذا القدر من الأسئلة كما فعل السكاكي، دخلت إلى قراءته وأنا أحمل الأحكام الشائعة عنه أنه الرجل الذي حوّل البلاغة إلى رسوم وتعريفات، وأنه المسؤول الأول عن جفافها، ثم خرجت وأنا أقل يقينًا بهذه الأحكام، وأكثر شكًا في الطريقة التي نتعامل بها مع تراثنا. ولعل تلك المحاضرات في رحلة الدكتواره وجلسات الحوار والنقاش في مقرر القراءات البلاغية مع أستاذي الدكتور إبراهيم زيد الأستاذ في قسم اللغة العربية بجامعة القصيم فتحت الآفاق إلى أكثر من مجرد مناقشات أكاديمية ورؤى وحوارات بل كانت تلك مساحة نُراجع فيها ما كنا نظنه حقائق مستقرة ولا جدال فيها، وأعترف أن بعض القناعات التي دخلت بها إلى ذلك المقرر لم تخرج معي كما هي. ما لفتني في السكاكي ليس تقسيمه للمعاني والبيان والبديع، فهذا يعرفه كل من درس البلاغة، وإنما السؤال الذي كان يتحرك خلف هذه التقسيمات: هل يمكن للجمال أن يكون له نظام؟ وهل يفقد النص شيئًا من روحه إذا حاولنا فهم الآليات التي صنعت أثره؟ كنت في البداية أميل إلى رأي الذين يرون أن السكاكي حمّل البلاغة أكثر مما تحتمل، وأنها بعده انشغلت بالقواعد حتى نسيت النصوص. ولم يكن هذا الميل غريبًا؛ فهذه هي الصورة التي تلقيناها في كثير من الدروس. لكن كلما تقدمت في قراءة مفتاح العلوم ازداد شعوري بأننا كثيرًا ما نحاكم الرجل بما صنعه أتباعه، لا بما كتبه هو. لا أقول إن السكاكي معصوم من النقد، ولا أستطيع أن أتبنى الدفاع عنه بلا تحفظ وإنما بعض صفحات كتابه تحتاج إلى صبر، وبعض طريقته يغلب عليها الميل إلى التنظيم العقلي أكثر مما تميل إلى المتعة الجمالية، لكن بين هذا وبين تحميله مسؤولية ما آلت إليه البلاغة المدرسية مسافة كبيرة شاسعة. لهذا أفهم جيدًا لماذا وقف أمين الخولي موقفًا ناقدًا لهذا الاتجاه، وكيف كان يريد أن تعود البلاغة إلى الأدب، إلى النص الحي، إلى أثر الكلمة في النفس قبل أثرها في التعريفات. وأحسب أن مشروعه كان ضروريًا في زمن أصبحت فيه البلاغة أقرب إلى مادة للحفظ منها إلى وسيلة لفهم الإبداع.. بينما كانت محاولة أحمد الشايب في كيفية أن يقترب من البلاغة من زاوية الأسلوب، وأن يربطها بالنقد الحديث، ولم يكن الخلاف عنده مع السكاكي وحده، وإنما مع الطريقة التي استقرت بها البلاغة في الدرس التقليدي، حتى بدا أن التقسيم أهم من النص، وأن القاعدة أهم من التجربة الأدبية.. لكن أكثر ما جعلني أعيد التفكير في كل هذا  القراءة التي جاء بها سعد مصلوح لأني لم أشعر أنه يدافع عن السكاكي بدافع الوفاء للتراث وإنما لأنه رأى أن الخصومة معه قامت أحيانًا على قراءة ناقصة وربما ظالمة. لذا كان يلح على فكرة بسيطة، لكنها في رأيي حاسمة: اقرأوا السكاكي كما كتب نفسه، لا كما كتبته الحواشي والشراح بعده. وهنا بدأت أميل إلى رأي لم أكن أتوقع أن أصل إليه فلست مقتنعًا بأن السكاكي هو الذي جفف البلاغة بتاتًا وأغلب الظن أن البلاغة جفّت حين تحولت بعض كتبه إلى مختصرات، ثم إلى محفوظات، ثم إلى امتحانات تؤدي واجبات لاغير والفارق بلاشك كبير بين مشروع يريد أن ينظم المعرفة، ومناهج تعليمية جعلت التنظيم غاية في ذاته.. ولعل المشكلة أننا نحب أن نبحث عن شخص واحد نحمله مسؤولية كل تحول تاريخي، فعلنا ذلك مع السكاكي، مع أن تاريخ العلوم أعقد من أن يُختزل في اسم واحد، فالبلاغة لم تتغير بكتاب، كما أنها لم تضعف بسبب مؤلف واحد، وإنما تغيرت لأن طرق تدريسها وقراءتها تغيرت أيضًا.. ولهذا ازددت اقتناعًا بأن السؤال الحقيقي ليس هل أخطأ السكاكي أم أصاب؟ فهذا سؤال سهل، السؤال الأصعب لماذا بقيت صورته في أذهاننا أقوى من نصوصه؟ ولماذا نكرر الأحكام نفسها قبل أن نعيد فتح الكتاب؟ خرجت من هذه الرحلة بقناعة شخصية قد يختلف معها كثيرون، لكنها أصبحت بالنسبة إليّ أقرب إلى اليقين لسنا بحاجة إلى تبرئة السكاكي ولسنا بحاجة إلى إدانته نحن بحاجة فقط إلى أن نقرأه دون أن نستعير نظارات خصومه أو محبيه فالتراث لا يكشف أسراره لمن يبحث عن حكم سريع، وإنما لمن يقبل أن يغيّر رأيه أثناء القراءة وربما كانت هذه، في النهاية أعظم هدية منحني إياها السكاكي أنه جعلني أشك في الأحكام الجاهزة أكثر مما جعلني أؤمن بإجاباته..