قبل عشرين عاماً- في أواسط عام 2006 م- قام وزير الثقافة والإعلام الأسبق الأستاذ إياد بن أمين مدني بزيارة لجمهورية روسيا الاتحادية على رأس وفد رسمي، تلبية لدعوة رسمية من وزير الثقافة والاتصالات فيها، شملت موسكو مدة خمسة أيام، وقازان عاصمة جمهورية تترستان- الواقعة في قلب روسيا- مدة أربعة أيام، وسانت بطرسبرغ مدة ثلاثة أيام. وخلال تلك الزيارة وَقَّعَ وزير الثقافة والإعلام من الجانب السعودي مع نظيريه من الجانب الروسي والجانب التتري- كل على حدة- مذكرتا تفاهم حول مجالات التعاون بين المملكة والاتحاد الروسي من جهة ومع جمهورية تترستان من جهة أخرى. وتضمنت المذكرتان تنظيم أيام ثقافية لكل بلد في البلد الآخر- وهو ما تم في العام التالي من الجانب السعودي حيث نظمت أيام ثقافية سعودية في موسكو ثم قازان عام 2007 م، ثم من الجانب الروسي في العام الذي تلاه، حينما شاركت روسيا في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) كضيف شرف. وشملت مذكرة التفاهم مع الجانب التتري- من بين ما اشتملت عليه- تلبية احتياجات الجامعة الروسية الإسلامية العالمية في قازان بما تحتاجه من كتب ومراجع باللغة العربية. كان برنامج الزيارة في عام 2006 وفي العام الذي تلاه حافلاً إلى حد يقارب الاختناق؛ وفي منتصف العام التالي- 2007 م- حظي الوزير وبعض أعضاء الوفد بالتشرف بلقاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز- حينما كان أميراً لمنطقة الرياض- وقضاء وقت رائع في الحديث معه- حفظه الله-؛ إذ كان وعلى رأس وفد كبير يزور حينذاك موسكو بدعوة من رئيس جمهورية روسيا الاتحادية السيد فلاديمير بوتين. وكان حفظه الله مسروراً بما سمعه من وزير الثقافة والإعلام عن تفاصيل زيارة العام الماضي- 2006 م- وما أسفرت عنه من نتائج؛ واستمع الحضور من الوزارة إلى توجيهاته الكريمة، المبارِكَة لتوثيق التعاون الإعلامي والثقافي بين المملكة وروسيا وتترستان. مكتبة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قازان مضت أربع سنوات تقريباً على الزيارة الثانية، وإذا بي أتلقى تكليفاً من وزير الإعلام الأسبق الدكتور عبدالعزيز بن محي الدين خوجة بالسفر إلى تترستان، في ربيع الثاني عام 1432 هـ، الموافق لنهاية فبراير وبداية مارس 2011 م؛ وذلك لافتتاح مكتبة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز- رحمه الله- في الجامعة الروسية الإسلامية العالمية في قازان نيابة عن معاليه، إذ كان قد كلف بمرافقة ضيف رسمي يزور المملكة في الفترة نفسها. تمت الزيارة لقازان بصحبة سفير المملكة لدى روسيا آنذاك الأستاذ علي حسن جعفر، الذي أعد مع الجانب التتري كل الترتيبات اللازمة، مع برنامج لقاءات ثري للوفد، ولا يسعني هنا إيفاءه حقه من الشكر على حسن الإعداد. وكم كان الشعور بالفخر كبيراً أثناء افتتاح المكتبة في حفل رسمي، والتجوال في أركانها التي حفلت بقرابة أربعين ألف مجلد أهديت من المملكة بموافقة مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله- رحمه الله-؛ وبذل فريق برئاسة وكيل الوزارة للعلاقات الثقافية الدولية آنذاك الدكتور أبو بكر باقادر جهوداً كبيرة في اختيارها؛ هو ومجموعة من المتخصصين من عدة جامعات سعودية، على مدى عامين تقريباً. وكم كان سرور مسؤولي تلك الجمهورية ومفتيها ورئيس الجامعة وأساتذتها وطلبتها كبيراً؛ ومن بينهم عدد من الأساتذة والموظفين الذين عرفنا- خلال الزيارتين عامي 2006 و2007 م- أنهم من خريجي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وجامعة الملك سعود. وفي عام 1437 هـ، كلفت بتمثيل وزارة الإعلام في “مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية بالمدينة المنورة”، الذي صدر أمر بإنشائه برئاسة صاحب السمو الملكي أمير منطقة المدينة المنورة، الأمير فيصل بن سلمان آنذاك. وكانت المكتبات الوقفية موزعة في أنحاء المدينة المنورة- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- على مدى عقود طويلة- وبعضها منذ بضعة قرون- وقد أزيل معظمها لصالح توسعات المسجد النبوي الشريف المتتابعة؛ وأودعت محتوياتها من كتب ومخطوطات في مستودع كبير من مستودعات الجامعة الإسلامية. بعد عامين من بدء اجتماعات المجمع عثرت من ضمن كتب كنت قد أخذتها من مكتبة والدي على كتاب من تأليف الأستاذ البحاثة المحقق أحمد عبدالغفور عطار، بعنوان “قطرة من يراع”، طبع عام 1955 م، على نفقة السيد حسن عباس الشربتلي، وزير الدولة الأسبق وأحد كبار أثرياء المملكة المعروفين. ولا أدري ما الذي دفعني إلى تصفحه، من بين كميات الكتب تلك، لأكتشف أن حيزاً كبيراً من مضمونه يتعلق بمكتبات المدينة المنورة الوقفية، وما حل بها عبر عقود متتالية؛ وخصوصاً منذ الحرب العالمية الثانية. وما أدهشني هو ورود اسم مكتبة وقفية باسم “الخزانة القازنلية” في قائمة مكتبات وقفية أورد عطار أسمائها، وبلغت 54 مكتبة. عندما لمحت هذا الاسم في الصفحة 77 تملكتني الدهشة بالفعل، إذ سرعان ما تبادر إلى ذهني اسم مدينة قازان، عاصمة تترستان. اتصلت بزميلنا الدكتور حسن السريحي، أستاذ علم المعلومات بجامعة الملك عبدالعزيز وأمين عام “مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية” حينذاك، لأتأكد من ذلك، فقال لي بأنها بالفعل ذات صلة بقازان. مكتبات المدينة المنورة الوقفية .. ومصيرها ولم أستغرب ذلك عندما قرأت في كتاب أحمد عبدالغفور عطار المشار إليه أعلاه، قوله- في ص. 58-: “وأكثر المدن السعودية ازدحاماً بالمكتبات المدينة المنورة، بل هي المدينة السعودية الوحيدة التي تحتشد فيها المكتبات العظيمة. وكانت المدينة المنورة موضع اهتمام الخلفاء والأمراء وشيوخ الإسلام وغيرهم من المسلمين، فنقلوا إليها مكتبات كثيرة وأضافوا إليها مع مرور الأيام مكتبات ضخمة، حتى أصبحت رقعة المدينة الضيقة مزدحمة بالمكتبات ونفائس المخطوطات والنوادر والذخائر والكنوز”. ويضيف: “ولكن المدينة المنورة تعرضت لفتن وأحداث أرهقت المكتبات إرهاقاً وضاع منها عشرات الألوف من المخطوطات النفيسة احتوتها المكتبات العالمية الكبيرة في مختلف بلدان العالم. وكان بعض تجار المخطوطات ينقلون من المدينة آلاف المخطوطات إلى بلدان آسيا وأوروبا ويبيعونها هناك بأبخس الأثمان. وقد نقل أمين بن حسن الحلواني آلاف الكتب إلى أوروبا في رحلته إليها سنة 1883 م، إذ حضر المعرض الاستعماري الذي عقد في أمستردام سنة 1883 م، ثم حضر مرة أخرى هذا المعرض نفسه سنة 1904 م، واصطحب معه إليها مخطوطات نادرة نفيسة اشترتها منه محلات بريل في لايدن Leiden في هولندا، وكُوِّنَتْ منها ثلاث مكتبات عظيمة من أهم مكتبات العالم وهي: مكتبة لايدن، والمكتبة الملكية ببرلين، ومكتبة جامعة برنستون. وبين هذه الكتب نوادر ونفائس تعتز بها هذه المكتبات وتفخر. وبالمدينة أكثر من خمسين مكتبة كلها مملوءة بالنفائس والنوادر، وأهم هذه المكتبات- وذكر منها أسماء أربعة وخمسين مكتبة (54)- مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمة الله الحسيني والمكتبة المحمودية ومكتبة الحرم النبوي، وذكر من بينها مكتبات أخرى مثل مكتبة آل مدني (رقم 37 في قائمة المكتبات) والمكتبة القازنلية (رقم 42) “الواقعة بزقاق جعفر بالمناخة” ومكتبة البساطي (رقم 30 والتي سيرد ذكرها لاحقاً). وتذكرت زيارة الشيخ حمد الجاسر لهولندا في أكتوبر 1960 م قادماً من أمريكا، وقاصداً جامعة لايدن ومكتبتها العظيمة؛ إذ كتب عن رحلته إليها عدداً من الحلقات في “اليمامة”، فأعدت قراءة ما كتبه عن حصيلة زيارته، ومصير تلك المخطوطات والكتب التي تحدث العطار عن إخراجها من المدينة المنورة وبيعها في محلات بريل في لايدن بهولندا، فوجدته تطرق فقط إلى من باعها بالعبارة التالية، في معرض حديث له مع المستشرق الهولندي بروخمن خلال تجوالهما في أقسام المكتبة ومرافق الجامعة: “وحدثت الأستاذ بروخمن عن الشيخ أمين بن حسن الحلواني وعن الكتب التي باعها على مكتبة بريل (مكتبة بريل Brill هي الناشر الأكاديمي للجامعة)، فأحضر لي فهرس تلك الكتب ويقع في 183 صفحة مطبوع في لايدن، وضعه المستشرق كارلو لندبرخ سنة 1883 م باللغة الفرنسية- أي في العام الذي قال عطار إن حلواني شارك فيه في المعرض الاستشراقي العالمي الذي اسماه عطار في كتابه المشار إليه “المعرض الاستعماري”- وأسماء الكتب مكتوبة باللغة العربية، ويتضمن وصف 664 من الكتب والرسائل المخطوطة”. ويضيف: “واطلعت في المكتبة على رسالة مطبوعة، مُصَّدَرَةُ بصورة جميلة للشيخ أمين بن حسن الحلواني المدني، وقال لي الأستاذ بروخمن حينما قرأ عنوان الرسالة إن اسمها (مشاهدات عن مؤتمر المستشرقين في ليدن، من مستشرق عربي”، وأن الشيخ الحلواني وضعها بالعربية، وترجمها المستشرق سنوك هرخرونيه إلى اللغة الهولندية، وطبعت بهذه اللغة وتقع في 54 صفحة”. بتلك العبارات لم أجد أن حمد الجاسر قد علق على التفريط بتلك الكتب والمخطوطات، ولكن الذي يدعو للدهشة هو أن هذا الشخص الذي أخذ هذه الكتب والمخطوطات من مكتبات المدينة المنورة الوقفية- وله رحلة أخرى باع فيها كميات أخرى منها كما ذكر عطار- قد وصف نفسه بأنه “مستشرق عربي”!! فيا للعجب. أما الأستاذ محمد حسين زيدان- رحمه الله- فقد شاهدت تسجيلاً لحفل تكريم أقامه الأستاذ عبدالمقصود خوجه- رحمه الله- لإحدى الشخصيات، يعود إلى عام 1984 أو 1985 م، ويتحدث فيه زيدان عن الخسارة الفادحة التي حلت بمكتبات المدينة المنورة الوقفية، وقيام بعض الأشخاص بأخذ أعداد كبيرة من كتبها ومخطوطاتها وبيعها في تركيا ومصر ودول أوروبية؛ وختم كلامه بالتعبير عن الغضب الشديد على من أخرجوها من المدينة وباعوها واصفاً إياهم باللصوص، وختم حديثه بعبارة: “... الله من باعها، وجزى من اشتراها خيراً فحفظها لنا”. وقد استرعت انتباهي رسالة بعث بها من رمز إلى اسمه باسم “طالب ثانوي”، ونشرتها صحيفة “المدينة”- العدد 535، في 20 رمضان 1373هـ، الموافق 23 مايو 1954 م، بعنوان “المكتبات”، يصف فيها الحال المحزنة لتلك المكتبات وتعرضها- إلى جانب سرقة محتوياتها على مر السنين- إلى التلف بسبب الأرضة والحشرات، وورد فيها: “وقد استهل صاحب الجلالة الملك سعود مشاريعه العمرانية بإنشاء مكتبة في الرياض وأخرى في مكة حوت جُل الكتب الأدبية والدينية والعلمية ونُظِّمَتْ على أحدث التنظيم. والمدينة المنورة التي انبعث منها نور الهدى ومشعل الحرية وطلع منها فجر العلم والعرفان بها عدة مكاتب متفرقة هنا وهناك، وفي المدارس (أيضاً) عُرضة لفتك الحشرات والضياع. والمكتبات التي تُزار منها اثنتان مكتبة عارف حكمت والمكتبة المحمودية، ولكن العناية بهما لم تكن كاملة ولا كافية.” ويختم رسالته بهذا النداء: “وإن سكان طَيْبَة يتوجهون إلى صاحب الجلالة وقلوبهم كلها أمل وإيمان ملتمسين توحيد هذه المكاتب جميعها في مكتبة واحدة داخل مبنى على الطراز الحديث، مع الاحتفاظ بكل مكتبة وتعيينها حتى لا تندمج في الأخرى، وتزويدها بموازنة كافية وتنظيمها وتجليدها، وتسهيل المراجعة فيها، والله ولي التوفيق.” أما “مكتبة البساطي” التي ورد اسمها في قائمة المكتبات الوقفية في كتاب عطار، فقد وجدت رسالة منشورة في صحيفة المدينة، بتاريخ 2 رمضان 1370 هـ، الموافق 7 يونيو 1951 م، بعنوان: “مكتبة البساطي: نداء إلى أهل الغيرة الإسلامية”، ذكر فيها كاتبها ناظر المكتبة- أي المشرف عليها- محمد سعيد البساطي أنه بذل جهوداً للعناية بمحتوياتها من كتب ومخطوطات نفيسة ونادرة، ووجه الدعوة إلى طلبة العلم والجمهور للاستفادة من محتوياتها، كما وجه نداءً إلى أصحاب الخير والإحسان و”كل من لديه غيرة وحَمِيَّةً على العلوم الإسلامية والآداب العربية لمد يد المساعدة للمكتبة...” لتجليد ما تحتويه من كتب ومخطوطات. وأشار كل من أحمد عبدالغفور عطار في كتابه المذكور أعلاه وحمد الجاسر ضمن مقالات مختلفة خلال الخمسينيات أنهما اطلعا على كتب ومخطوطات في عدد من المكتبات الوقفية في المدينة خلال الأربعينيات وأوائل الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، وأنهما لم يجدا بعضها لاحقاً عند عودتهم لتلك المكتبات الوقفية للبحث فيها، بل ووجدا بعضها في دار الكتب المصرية وفي مكتبات أخرى خارج المملكة. وأضيف إلى ما تقدم أن مباني العديد من تلك المكتبات- إن لم يكن كلها- قد أزيلت مع التوسعات المتعاقبة للمسجد النبوي الشريف. وبعد مرور عشر سنوات على إنشاء “مجمع الملك عبدالعزيز للمكتبات الوقفية” أرجو أن يكون هذ المجمع المبارك قد وُفِّقَ في إنشاء مبنى متكامل يضم ما تبقى من محتويات تلك المكتبات. ولا يُعرف حتى الآن كم تبلغ أعداد تلك الكتب والمخطوطات. فإن كانت كميات ضخمة، فلعلها تحظى ببناء يليق بها ويفيد الجمهور، يكون معلماً من معالم المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. 24 محرم 1448 هـ، الموافق 9 يوليو 2026 م