تأملات من الطابق الحادي والثلاثين.

من الطابق الحادي والثلاثين، ينكشف المشهد من مسافةٍ مختلفة؛ فذلك الارتفاع هو ما يفعله السفر بنا تماماً، إذ يرفعنا فوق سياقاتنا المعتادة لنرى أيامنا من زاويةٍ أوسع. عندها تبدو مشكلاتنا أقل وطأة، وأكثر قابليةً للفهم، وكأننا نمنح أرواحنا مسافةً تستعيد فيها اتزانها. فالسفر ليس مجرد رغبةٍ شخصية، بل امتداد لحاجة إنسانية قديمة. وحين ننظر إلى المدن بهذه العين المختلفة، نكتشف أزقتها القديمة حيث يسكن التاريخ في تفاصيلها، ومقاهيها التي يمتزج فيها الفن بالحياة اليومية. لكنني أدركت مع الوقت أن قيمة الرحلات لا تقاس بما نراه من معالم فحسب، بل بما تغيّره فينا، وبالإنسان الذي نعود به بعدها. فما جدوى آلاف الكيلومترات إذا حملنا النسخة ذاتها من أنفسنا؟ أحياناً تكفي شرفة، وكوب قهوة، ونسيم خفيف، لتمنحنا ما لا تمنحه الجولات الطويلة. فالسفر الحقيقي يبدأ حين تتبدل زاوية الرؤية، وتتغير معها أبعادنا الداخلية. وحتى رفيق الرحلة لا يكفي أن يكون حاضراً، بل أن يكون متفهماً؛ يعرف متى يشاركك اللحظة، ومتى يترك لك مساحة لاكتشافها وحدك. فقد يختار أحدكما الجلوس مع كتابه في مقهى جانبي، بينما يمضي الآخر في تأمل المدينة، ثم تلتقيان لاحقاً لتتبادلا ما رأيتماه، وكأن لكلٍّ منكما رحلة صغيرة داخل الرحلة الكبرى. ولعل هذا الاتساع الذي تمنحه التجربة يقرّبنا من أصواتٍ بعيدة؛ فبودلير رأى في وسائل العبور ذاتها سحراً خاصاً، بينما حمل فلوبير حنيناً عميقاً إلى مصر، كأن بعض الأماكن تستمر في العيش داخلنا حتى بعد مغادرتها. وكان الأدباء الذين جعلوا من الرسائل امتداداً لأسفارهم يدركون أن الرحلة تكتمل بالكتابة؛ فنحن نؤرشف في كتابتنا عن المكان كيف شعرنا ونحن فيه، لتصبح رسائلهم شكلاً من أشكال العيش داخله. وهذا ما جعلني أعيد النظر في علاقتي بالترحال؛ فبعد أن ظل السفر في ظني مهرباً مؤقتاً من أعباء الحياة، اكتشفت أن هذا النمط يحجب عنا تفاصيل الأماكن التي نزورها، فنمرّ على المدن كالغرباء، دون أن نعرفها حقاً. ولعل أجمل ما يمنحه السفر هو تلك اللحظات المنعشة؛ حيث نتخفف من كل ما اعتدناه عن أنفسنا. ومنذ تلك اللحظة أصبح السؤال يلحّ عليّ: هل كنت أؤجل معرفة المدن، أم أبحث عن طريقة أعمق لرؤيتها؟ حتى أدركت أن السفر يمنحنا مساحة نعيد فيها اكتشاف ذواتنا، وننظر إلى الحياة بعيونٍ جديدة. وفي النهاية، السفر رحلةٌ في الداخل قبل أن يكون انتقالاً بين المدن. نحن نغادر لنعود بقدرةٍ أكبر على فهم ما حولنا، وفهم أنفسنا أيضاً. وكل ارتحالٍ لا يحدث تغييراً في طريقتنا للنظر إلى الحياة، يبقى مجرد حركةٍ في المكان؛ أما السفر الحقيقي، فهو ما يبقى فينا حين تنتهي الرحلة.