عندما نتحدث عن “الألم”، فإن خيالنا البشري المبرمج منذ آلاف السنين يذهب فوراً إلى ثنائية مريحة جداً، ثنائية اعتدنا عليها .. ثنائية : الجلاد والضحية. في كل ألم نألفه، هناك دائماً مصدر “خارجي”. في الحروب هناك رصاصة تأتي من العدو، وفي الحوادث هناك معدن يصطدم بنا، وحتى في الأمراض العابرة ، هناك فيروس قادم من الهواء ليهاجمنا. هذا “الخارج” يمنحنا ترفاً نفسياً عظيماً: إنه يمنحنا القدرة على الغضب، القدرة على توجيه أصابع الاتهام، وربما القدرة على المقاومة أو الهروب .. نحن هنا نعرف من نحارب “الجلاد”. لكن .. ماذا يحدث عندما ينهار هذا الجدار الفاصل تماماً؟ ماذا لو استيقظت في أحد الأيام، لتكتشف أن “الجلاد” و”الضحية” يسكنان في نفس الخلية البيولوجية؟ ماذا يحدث في حالة أمراض الألم المزمن والمناعي - التصلب اللويحي، أو السرطان على سبيل المثال لا الحصر - حين يقرر جهازك المناعي، الذي هو جيشك وحصنك، أن ينقلب عليك ويشن حرباً شعواء، لا هوادة فيها، على مفاصلك، أو أعصابك، أو خلايا جسدك؟ هنا .. تسقط ثنائية الخارج والداخل .. هنا يبدأ نوع آخر من المعاناة، لا تُشبه أي معاناة أخرى. هنا .. لست ابحث عن “علاج طبي” أو مسكنات كيميائية لهذا الألم؛ هنا .. احاول البحث عن “شفاء إبستمولوجي وفلسفي” .. هنا .. احاول الدخول إلى زنزانة المريض مرضا مزمنا ، لكسر عزلته، و اعادة صوته، و احاول ان افهم كيف يمكن للإنسان أن يعيش داخل “جسد متمرد (نرجسي)”. تمرد الملاذ الأخير الجسد هو الملاذ الأخير .. عندما نشعر بالقسوة في هذه الدنيا، فعندما نُطرد من عملنا ، أو نُظلم، أو نشعر بالبرد او الحر ، فإننا نعود إلى منازلنا، نغلق الأبواب، وننسحب إلى داخل ذلك الجسد نبتغي الراحة .. الجسد هو الوطن والملاذ الاخير الذي نأوي إليه. الفيلسوفة إيلين سكاري في كتابها “الجسد المتألم” تخبرنا بحقيقة مرعبة: الألم المفرط يحول هذا الملاذ إلى “غرفة تعذيب” .. فبالنسبة لمريض الألم المزمن، يتحول الجسد “الوطن”، إلى ساحة للرعب اليومي .. يريد المريض هنا .. أن يهرب من جسده لا أن يهرب إلى جسده . وتتجلى المأساة على مستويين: أولاً: أزمة الثقة الوجودية: ينام المريض ولا يعرف أي جزء منه سيتمرد عليه غداً .. هل سيستطيع المشي؟ هل سيحمل كوب القهوة دون أن ترتجف يداه؟ حالة اللايقين هذه في جسده تجعل المريض يفقد الثقة في أهم أداة يمتلكها للتواصل مع العالم “ “جسده” . ثانياً: مأساة الألم اللامرئي: اظن ان اقسى ما في الأمراض المناعية و المزمنة هو غياب “الدليل البصري” و خاصة في المراحل الاولى للمرض .. فلا تستطيع ان تعلن للمجتمع: “أنا أتألم، ارحموني” .. إنما يحصل الاحتراق داخليا .. قد يشعر المريض وكأن أطناناً من الرصاص تسحقه ، بينما يبدو من الخارج في كامل أناقته وعافيته. هذا التناقض المرعب بين “الاحتراق الداخلي” و”المظهر الخارجي الطبيعي” يخلق للمريض أزمة ساحقة .. فتبدأ نظرات الشك ويتساءل الأصدقاء: “أنت تبدو بخير، فلم كل هذه الدراما؟” ويتساءل اخرون : “لماذا هو/هي دائم الشكوى؟”. و هنا ربما نطلق مصطلح “الإلغاء الوجودي” .. وهو أن تتألم، ولا يصدقك أحد .. أن تصرخ، ولا يرى الناس سوى صمتك المطبق. كيف يبتكر المريض طوق نجاته؟ إذن، كيف يخرج مريض الألم المزمن من هذا “الإلغاء الوجودي”؟ كيف يقول أنه يتألم حقاً؟ كيف يخترق جدر الصمت اللامرئية؟ تقول سكاري إن الألم يخرس الإنسان ويدمر لغته في حالات الألم الفادح .. فلا يعود الإنسان قادرا على التعبير إلا من خلال لغة بدائية من الانين و الصراخ .. لكن الطبيب والمفكر ديفيد بيرو، الذي عانى شخصياً من مرض عضال، يرفض هذا التصور بالمطلق ويقول إن المتألم لا يستسلم في كثير من الاحيان ولا تهدم لغته ، بل يتحول – بدافع النجاة – إلى “فنان” أو “شاعر” ويجبر على ابتكار لغة جديدة: لغة الاستعارة والمجاز.بما أن الألم ليس له شكل مادي يمكن للآخرين رؤيته، يلجأ المرضى باستعارة “أشياء مرئية وملموسة” من العالم الخارجي ليصف بها احتراقه الداخلي. دعونا نستمع إلى لغة المرضى: •مجاز السلاح (لفصل الذات عن المرض): المريض لا يقول “أنا أتألم”. بل يقول: “أشعر وكأن سكاكين تمزق شراييني”، أو “هناك مسامير ملتهبة تدق ركبتي”. هو لا يبالغ، هو يستعير الأسلحة الحادة ليمنح ألمه “هوية مادية” تجبرك كسامع على أن تتخيل البشاعة، وتنتفض، وتتعاطف. • مجاز العزلة والانفصال: يقول: “أشعر وكأنني تحت الماء، أو خلف لوح زجاجي سميك اصرخ و لا يسمعني أحد “. هو يرى الناس يركضون، يضحكون، ينجزون أعمالهم، لكنه عاجز عن اللحاق بإيقاعهم بسبب كثافة ألمه. هذه المجازات، ليست ترفاً أدبياً .. إنها استجداء إنساني عميق .. المريض يبذل جهداً ذهنياً خرافياً لترجمة ألمه لكي نحترمه ولا نتهمه بالوهم . بيرو يقدم حلاً نبيلاً (استخدام لغة الاستعارة المجاز لشرح حالة) ، لكنه يضع “العبء بالكامل على المريض” المنهك أصلاً .. مريض الألم المزمن، الذي يصارع جسده المتمرد، مطالب الآن بأن يكون بليغاً وشاعراً !! .. ماذا لو عجز المريض عن ابتكار استعارة قوية ؟ هل سنتهمه بالجنون والكذب ؟ هل سنطرده من دائرة العطف و .. اذا لم يستطع أن ينتج دراما سينمائية أو شعرا بليغا ؟ (أين تنكسر دائرة الفهم) في مقاله سابقة اقترحت مفهوم “رجع الصدى في النماذج اللغوية الكبرى” تلك النصوص التي ينكسر فيها أفق النص والمؤلف في فلسفة الفهم (الهيرمنيوطيقا” .. تقليدياً، تعتمد فلسفة الفهم على القارئ والنص والمؤلف .. هنا .. في العيادة: الطبيب هو “القارئ”، والمريض هو “النص”. في الوضع الطبيعي، يتفاعل القارئ مع تاريخ النص وتحيزاته. لكن عندما يقرأ الطبيب “نصاً” (مريضاً) يعاني من ألم لامرئي، ولا تظهر أمامه بيانات واضحة في الأشعة أو التحاليل، فإن البيانات الخام هنا تصبح فوضوية ولا تكشف عن المعنى بمفردها. إذا كان المريض يصرخ بكل هذه المجازات، ولا يفهم في كثير من الأحيان .. لذا يخرج المريض من العيادة وهو يشعر بقهر مضاعف؟ ما يحدث هو سقوط الطبيب في “الصدى الهيرمنيوطيقي” .. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الطبيب، دون وعي منه، يجلس أمام المريض ولكنه لا يستمع للمريض حقاً، بل “يستمع لـ صدى أفكاره هو” و لا يحدث اشتباك حقيقي بينه وبين افق المريض الذي لا يستطيع التعبير عن ألمه بلغة يفهمها .. فيسقط الطبيب تحيزاته الطبية البيولوجية الصارمة .. وإذا لم تتطابق شكوى المريض مع القالب الذي يستقرئ منه الطبيب، يرتد فهم الطبيب منه إليه .. ليقول للمريض في نهاية المطاف : “تحاليلك سليمة، أنت لا تعاني من شيء “. لذا اقترح .. “الهندسة الإبستمولوجية” .. و التى من خلالها يستطيع الطبيب (القارئ) بناء ومعايرة واعية “لنماذجه الإدراكية التفسيرية “ فهو يحتاج الى “نموذج إدراكي تفسيري” متطور ومرن ، يضعه في مركز دائرة الفهم بينه وبين المريض .. هذا النموذج لا يكتفي بقراءة “التحليل المخبري”، بل يقدّر لغة المجاز التي يستخدمها المريض، ويترجم انكسارات صوته .. الطبيب العظيم ليس من يقرأ الأشعة ببراعة، بل من يبني المعنى من خلف صمت المريض وأنينه. المواساة الفلسفية ربما يجدر بنا أن نعترف بأننا نعيش في عالم يقدس “الانتصار المطلق”. السينما والروايات تقول لنا أن البطل هو الذي يُقهر، ثم يمرض، ثم يتعافى تماماً ليعود أقوى مما كان عليه ليهزم كل شئ .. نحن نعشق قصص “الشفاء التام” .. ولكن... ماذا عن أولئك الذين كُتب عليهم ألا يشفوا أبداً؟ ماذا عن الذين سيشاركون أجسادهم مع عدو مناعي لا ينام حتى آخر يوم في حياتهم؟ هل هؤلاء فشلة؟ هل هم ضعفاء؟ كيف نواسي مريض الألم المزمن مواساة فلسفية حقيقية؟ في البانوراما الفلسفية التالية ربما نجد بعض العزاء والمواساة لنا جميعا و خاصة أصحاب الأمراض المزمنة .. يقول شوبنهاور:الألم هو الحقيقة الإيجابية الوحيدة، والسعادة مجرد غياب مؤقت له. يقول أبو حامد الغزالي : الألم “دواء مر” لكسر حجب الغفلة وتنقية الروح .. إذن علينا بالصبر، ثم الرضا، ثم الشكر. و يقول ابن تيمية :لا وجود لـ “شر محض”. الألم جزء من حكمة غائية كبرى .. إذن علينا بالتسليم المعرفي بالعدالة الإلهية واليقين في المآلات. ويقول عبد الوهاب المسيري :الألم هو “ثغرة الوعي” التي تثبت تجاوز الإنسان للمادة (الآلة لا تتألم) .. إذن علينا بالصمود المعرفي ورفض تحول الإنسان إلى شيء مستهلك. و تقول بيونغ تشول هان: نحن نعيش في “مجتمع مسكنات” يعاني من “رهاب الألم” .. إذن علينا التوقف عن قمع الألم لأنه محرك التغيير والتعاطف والثورة. و يقول طه عبد الرحمن : الحداثة قتلت “الألم” بالمسكنات، لكنها أغرقتنا في “البؤس” الوجودي .. إذن علينا استعادة “الأخلاق الائتمانية” لتحويل الألم إلى تزكية للروح ربما يجدر بنا هنا أن نراجع مفهومنا عن “البطولة الحقيقية” للإنسان عامة .. ولمريض الألم المزمن خاصة و التى ربما لا يكون في الشفاء التام من الالم ؛ بل في “التعايش اليومي”. و الذي هو ربما أعظم، وأشجع، وأنبل فعل فلسفي وجودي يمكن لإنسان أن يمارسه لبناء المعنى من قلب الألم حتى وإن حُبس في جسد متمرد. *الرياض