البحث عن الذات في مرافئ الذكريات.

في قريتنا الحالمة مصاولي وفي جلسة حميمية بأحد مطلاتها التي تشرف على تهامة، كنا مجموعة متباينة من الأعمار قبل الأفكار، فينا من أبحر في السبعين، ومنا ما زال يجدف في الستين، وبيننا من يحاول التشبث بالخمسين خوفًا من أوجاع ما بعدها من سنين!. أخذ الجميع يعبّرون عن حنينهم لذلك الماضي الجميل، ويتشاركون ذكرياته، فكل واحد منهم كان يستدعي ذاكرة الآخر لتصادق على تلك القصة أو ذاك الموقف العجيب الذي يرويه. كنا نضحك ونتظاهر أحيانا بالدهشة لسماع قصص سبق أن سمعناها عشرات المرات من أصحابها الحقيقيين؛ كل ذلك من أجل أن نحصل على دور في تلك الجلسة لنقص على الآخرين ما سبق أن قصصناه عليهم في مناسبات سابقة!. أحدهم يستدعي أحداث مدرسته ورفقاء طفولته، يعتدل في جلسته، ثم ينظر خلسة إلى ذلك الماضي الجميل بذاكرة شاردة للبعيد، وبزاوية متأملة تعيده إلى ذلك المشهد الجميل، ليسرده من جديد على نفسه قبل أن يستدعيه حكاية للحاضرين. بون شاسع في عمر ذكريات بعض الحاضرين من الصغار، وتلك القصص العالقة في ذلك الزمن القديم التي يرويها ذلك الرجل، فعبق الماضي كان يفوح شذاه على الجالسين، يردفه صوت المطر ليبقى حاضرًا في وجدانهم وكأنه (تعاتيب خلان). الذاكرة تختزن الكثير من المشاعر تجاه ذلك الماضي الأسير؛ أسير لذاكرة ما زالت تستدعيه كل لحظة، كونه ما زال يشكل جل تضاريسها الإنسانية؛ من فرح وحزن وخيبة وأمل، وهنا نتساءل: لماذا يبقى هذا الماضي في وجداننا؟ ولماذا نستدعيه في كل لحظاتنا؟ ألأنه ذهب ولن يعود؟ أم لأنه شكلنا وبصم على شخصياتنا لتكون كما هي الآن؟ شيء من الماضي عشناه بتلقائية التلقي في ذلك الوقت عندما كنا حديثي عهد بالحياة وصروفها، واليوم جلّ ذلك نعيد إنتاجه في مشاهد حكائية تجعلنا حاضرين أبطالًا في تلك القصص الأثيرة. قصص كتبتها الظروف وصروف الحياة، فشكلت شخصيات متنوعة ما زالت تعيش عبق تلك الذكريات، كأفلام الأبيض والأسود عندما يعاد تلوينها لتكتسب شيئًا، وتغيب عنها أشياء كانت في البدء حاضرة وفارقة لحظة تجسيدها. البعض يقول إن الإنسان في أثره ذكريات، وفي حضوره ما هو إلا كاتب أو راوٍ لتلك الذكريات، وما الحنين إلا مشاعر تتدفق لتعيد تصوير وتصور تلك الذكريات، وكأنها الحياة المثلى التي عاشها الإنسان. تظل الذات متنًا لتلك الذكريات، البعض يبحث عنها في فيافي تلك الذكريات، والبعض يحوّل ذلك الماضي ليتواءم مع الصورة المثلى لما يبتغيه من ذات، لتبقى ذاته أسيرة لنمط معين من ذكريات ذلك الماضي، وحاضر يريد إزاحة ماضٍ بذاته القديمة ليفسح المجال لهذه الذات الجديدة لتقول: هأنذا أيها الإنسان! بين استرجاع تلك الذكريات والبحث في غياهب أسرارها الدفينة في عمق تلك الذات، تبعث تلك الذكريات تلك الشخصية الإنسانية من ركام ماضٍ ليس بالبعيد، ولكنه ماضٍ ما زال يبتز واقعه الجديد، يحاول إعادة تشكيل هذه الشخصية الحاضرة، وفق ما مضى من ذكريات، بعضها يبعثه الحنين، وبعضها يتكفل البحث عن الذات بإحضارها، والبعض الآخر تميط الأنا الإنسانية عنه اللثام، ليُروى من جديد في صورة حكاية قديمة تكشف تفاصيل ذاته الأولى قبل أن تُنضجها الأيام والسنين.