غرباء… على بُعد خطوة.

يفتح باب المصعد، فيدخل خمسة أشخاص ، يخرج كل واحد منهم هاتفه بسرعة، وكأن الشركة المصنّعة أوصتهم سرًا: إياكم أن تنظروا في وجوه بعضكم ،أحدهم يحدّق في شاشة لا يحدث فيها شيء، وآخر يقلّب تطبيقاته بلا هدف، وثالث يعيد قراءة رسالة حفظها عن ظهر قلب ، وحده شخص واحد يرفع رأسه، فيكتشف أنه ارتكب خطأً اجتماعيًا غير مقصود: لقد نظر إلى الناس! لم يحدث في التاريخ أن اجتمع غرباء في مساحة لا تتجاوز مترين، ثم بذلوا كل هذا الجهد كي يتظاهروا بأنهم وحدهم. من السهل أن نعلّق التهمة في رقبة الهاتف، أو أن نحاكم المدن الحديثة، أو أن نقول إن المجمعات السكنية قتلت روح الجيرة ،لكن الحقيقة أقل راحة من ذلك؛ المشكلة ليست في المدينة، ولا في الهاتف، بل في الإنسان الذي تعلّم كيف يختبئ خلف الأشياء. في الماضي، لم يكن الناس يعرفون جيرانهم لأنهم أكثر لطفًا أو أكثر فضيلة ، كانوا يعرفونهم لأن الحياة نفسها كانت تدفعهم إلى ذلك ؛ المسجد، والسوق، والمجلس، وحتى الطريق إلى المنزل، كلها أماكن تفرض لقاءً عابرًا قد يتحول إلى معرفة، ثم إلى علاقة. اليوم لم يعد الإنسان مضطرًا إلى أحد ، يطلب طعامه من تطبيق، ويدفع فواتيره من هاتفه، ويعمل من منزله، ويتحدث إلى أصدقائه من خلف شاشة ، لقد ربحنا كثيرًا من الراحة، لكننا دفعنا ثمنها من حساب العلاقات. تتغير المدن بسرعة لافتة ،حدائق أكثر، ومقاهٍ أجمل، ومكتبات تستعيد حضورها، وفعاليات ثقافية لا تكاد تتوقف ، ومع ذلك لا يبدو أن المشكلة كانت يومًا في نقص الأماكن. خذ جولة في أي مقهى، وسترى أربعة أصدقاء يجلسون حول طاولة واحدة ، المشهد يبدو مفعمًا بالحياة، حتى تقترب أكثر. ستكتشف أن كل واحد منهم يبتسم لشخص مختلف… داخل هاتفه! حتى المجالس، التي كانت يومًا مصنعًا للحكايات والنقاشات والنوادر، أصبحت في بعض الأحيان أشبه بمحطة انتظار جماعية ، الجميع حاضر، لكن انتباههم في مكان آخر. قد ينتهي المجلس، ويغادر الحضور، دون أن يتذكر أحد ما الذي دار فيه أصلًا. ربما أسأنا فهم معنى الاستقلال. أقنعنا أنفسنا أن عدم الحاجة إلى الآخرين نوع من القوة، وأن الاكتفاء بالنفس فضيلة لا ينافسها شيء ، لكن الإنسان، مهما بالغ في استقلاله، يظل كائنًا اجتماعيًا، يحتاج إلى حديث عابر أكثر مما يحتاج إلى تحديث جديد للتطبيقات. المفارقة الساخرة أن البشرية أمضت قرونًا تبحث عن وسائل تقرّب الناس من بعضهم، ثم نجحت أخيرًا في اختراع وسيلة تجعل الجالس إلى جوارك أبعد من شخص يعيش في قارة أخرى. ومع ذلك، لا أؤمن بأن الحكاية انتهت ، العلاقات لا تبدأ من تصميم الشوارع، ولا تنتهي عند شاشة الهاتف ، إنها تبدأ عندما يقرر الإنسان أن يرفع رأسه، وأن يبتسم، وأن يسأل جاره عن حاله، وأن يذهب إلى المكتبة ليقرأ، وإلى المقهى ليلتقي، وإلى المجلس ليشارك، لا ليكتفي بالحضور. ربما لا نحتاج إلى هواتف أقل، ولا إلى مدن مختلفة، فما نحتاجه هو قليل من الشجاعة؛ شجاعة أن نعود بشرًا في زمن يتقن فيه الجميع فن الاختباء خلف شاشة مضيئة.