عُكازُ الروح
نظلُّ صغاراً في حضرةِ الآباء مهما طالت قاماتنا. ويظلُّ الأبُ القلعةَ الحصينةَ، ورمزَ الحمايةِ الذي يتلقى عنا شظايا الحياة، ويصدُّ عواصفها دون أن يرمش له جفن. الأبُ ليس مجردَ رجل، إنه خلاصةُ الأمان، هو الذي استطاع بمعادلةٍ مستحيلة أن يجمع حزمَ الأب برحمةِ الأم في آنٍ واحد. أذكرُ المرةَ الأولى التي استعان فيها بالعصا؛ فتحوَّل فيها السندُ إلى مُسْتَنِدٍ؛ بكيتُ يومها بكاءً مريراً، لا خوفاً عليه، بل خوفاً من حقيقةِ أن «قُوَّتي» قد مَسَّها الضعف، كنتُ أرفضُ أن أرى الانكسار في ملامح الجبل الذي احتميتُ به طويلاً.. لكن الأيام أعادت صياغةَ مشاعري؛ فبعد أن كانت العصا رمزاً للانكسار، أصبحتُ أبحثُ له عن أجودِ أنواع العكازات، وكأنني أهدي قلبي ليتكئ عليه. واليوم.. عندما أسمع «قرعَ عصاهُ» على الأرض عند عودته من المسجد، أجد «نبضَ الأمان» يعمُّ أرجاء بيتنا؛ أحمدُ الله أنني ما زلتُ أسمعُ هذا الإيقاع؛ فمهما نال التعبُ من جسده، يظلُّ أبي هو السندَ الأقوى، والدرعَ الذي يحمي قلوبنا من نبال الدَّهر، والأمانَ الذي لا يعوضه أحد. اللهم أطِل في عمرِ هذا «الجبل» الذي احتميتُ بظلهِ سنيناً، وأبق لنا «وقعَ عصاهُ» نبضاً للأمانِ لا يغيب. اللهمَّ كما كان حاميًا لنا ومدافعًا عنَّا عواصفِ الزمان، كُن له عوناً وسنداً، وامنحهُ صحةً تُكافئ صبرَه، وعافيةً تليقُ بقلبهِ الذي لا يشبههُ قلب.