المونديال.. “بوري” الحافلة رقم 26.
بمغادرة المغرب، آخر تواجد للعرب في كأس العالم 2026، الخميس الفائت، يصلح الآن قول شيءٍ ما. لعلّ كثيرين يتفادون التفكير فيه، فضلًا عن تأمله، وأعني مباشرة؛ الفراغ الذي سيعلق فيه العالم.. وهو يدرك أن زحامًا من خلاصة ما أنتجته كرة القدم في العشرين عامًا الماضية.. انتهى أمرهم. والجمرات الأخيرات في مواقدهم خمدن، وما من فرصة ولا موعد، بعد انقضاء مساء الأحد القادم، التاسع عشر من الشهر. هي الخسارة القصوى في هذا المونديال، المونديال المترهل والجائر، والمخلوط بشيء من المسخرة.. أن الذين ملأوا ليالينا والأيام، بالفن والفرادة والذاكرة، سنين عددا، وهم كثر كما كثرة الأسف، يُلقون معايدتهم الأخيرة على خلائق السهر والحماسة، ثم سيقومون للمخرج الجانبي، الواحد تلو الواحد، تاركين بطاقة للتاريخ ومعها بعض الحلوى، على مائدة الشعوب المحتشدة في هذا العيد البشري الدائر، كأس العالم! مثل من؟ عنّي، أميل – وللميول وجاهة الذائقة شخصيّة - لهذه القائمة، قائمتي، وطاقمها بالغ الاختلاف، فما يشبه أحدٌ منهم إلا صنيعته، وهذه مزيّة النحّاتين، أنهم طالما منحوا اللعبة اندلاع الشعور، وحمأة الحواس، بل وفتحوا المصارع لمجالات المخيلة. لقد شيّدوا الوقت بخطيه المتوازيين؛ في مشاويرهم من جال، ومن جال عمروا الوقت في مرآئينا، بما هو أبعد وأعمق من السجلات ولقطات الخلود، لقد شيّدوا المعنى، معنىً يجاوز كرة القدم.. فعادت أعيادهم بالمجد والسرور، وها هم: أولًا.. أو الأولان: كريستيانو رونالدو.. بحرقته وأرقامه، ودرس الكدح والحلم والالتزام الطويل، دونما كلالة. ورفقته ميسي.. بفلتاته العبقرية، والأعاجيب التي لا ينال العمر من دهشتها، مهما تقادم. (بين هذين المقوسين.. وبشأن ميسي والأقاويل؛ عقب ما تعرض له المنتخب المصري الجسور، وَسَلْبِهِ في بضع دقائق فقط فوزًا كاسحًا ومستحقًا على الأرجنتين، وتأهله للدور الستة عشر، ومنح كل هذا للأرجنتين.. توقفت شخصيًا عن ملامة القائلين بأن ميسي يحظى ببعض الحصانة والتسهيلات التي توليه إياها الفيفا، وعلى مرأى ومسمع - أحيانًا - وتلك المباراة إحداها، وأكثرها خزيًا ومضاضة). عودًا للقائمة؛ ثم.. بعد الأولَين بدهر، وكتفًا بكتف، هؤلاء؛ •لوكا مودريتش.. الشارد من الدوّي والبارود وبنادق بني العمّ، السُّلاف، منسلًّا بقميص جَدَّه في خفاء الليل. قميصُ جَدَّه.. أو ميراث طفولته؛ مُبَقّعًا بفزع الحرب، وفجاجة الدم والغيلة. يكبر الفتى.. يلوذ من هذه الكروب بسلوان المنتصف.. ليصبح الطريقة البارعة للاستشفاء بالنصر، وعلامة الأناقة المتناهية في ردّ الاعتبار، لنفسه ولجدّه وقومه وبلاده، كل البلاد! •نيمار.. وحين تواتي الرياح أشرعته كان أبرع من يستخرج النكهة السريّة الساحرة للبرازيل، ويفعلها بتلك البساطة اللعينة، بالخفّة والسهولة الخاطفة، التي تبدو كشيء ممكن ومستحيل في آن، وليت حباله والعظام كانت أصلب، وأكثر؛ ليته سلم من بعض الرخاوة والجراح! •محمد صلاح.. المحترم للغاية، الخلّاب، الداهية، المُثقلة روحه وملامحه بندوب الأحمال والتعب.. ولا يشكي! المُجهدة ساقاه النحيلتان بما يفوق قدرة فريقٍ بأسره.. ولا يحتجّ! تأمل ركضته وهو ينقضّ في هجمة.. سيخيّل إليك وأن رنين الآمال الكبرى يصدر من إحدى قدميه، ومن الأخرى همهمة الملامات.. ولا يستريح! الله.. لو أن زُوادة طريقه الصعبة، هذا البارع، كان فيها نزرًا من غوث المحيطات، وشِقفَةً من حظّ الأباعد.. ونصيب البعيدين! •مانويل نويّر.. وقفز العفاريت، ما تبقى من سلالة العماليق، العصب الرائق.. له جناحا بوفون.. وبداهة كان! •ساديو مانيه.. مَلْفى الثقة، وبصيرة القادة، النائخ برحاله ورجاله على الموارد، فلا يسقي الرعاء والحماة مُحزّمين بغدّاراتهم على ضفتيها، حتى يصدر. هذا الذي يشرب مسبلًا جفنيه، ولا يرفّ له هدب! •رياض محرز، ولو أن كرةً من اللهيب والغبار، قذفتها رياح عاتية من أعالي الأوراس.. لحطّت كطير المراسيل على يسراه! •كيفن دي بروين.. يجيء للملعب بكامل هندامه. المهندس في مكتبه.. وعلى الفور سيبدأ بتصميم الأنفاق، والطرقات، والحدائق. سيبعث بالقصائر والمطولات، وكأن مساطر ومثلثاتٍ ومنقلةً.. تخرج من طرفي نعليه! أما منتخبنا السعودي، فقد نسينا - أو على وجه الدقة.. لم يفعل شيئًا، لا لنفرح ولا لنتذكره – لقرابة ثلاثة عقود، بها أجيال ولدت وشبّت، وتوشك أن تكهل، وهي لم تجرب ولو مرّة واحدة، طعم الفرحة، ولا احتفلت بوهج المنصّة، ولا خامرها الاعتداد. ويا كم جفّت الأرياق، بعد الخيبات التي ما عادت تحصى، حتى لم يبق في لغتنا من الكلمات غير ما يشبه مطلع خالد الفيصل: “شَرْهَة العاشق كبيرة”، وعُتبى.. لا شيء يمكنه تسكين سخونتها، كما في صوت فنان العرب والمشارق والمغارب، وسائر بقاع الله؛ محمد عبده. فمَن مِن لاعبينا مَن؟ سأقول: من هذه النسخة من المنتخب.. لدينا سالم الدوسري، وهو على قارعة الأربعين. وأختاره لأنه لو لم يُعطنا غير تلك الصرخة المدوّية في أرجاء العالم، عشيّة فَعَل فعلته التي فعلها في الأرجنتين، بمونديال قطر، لكفته! إذًا؛ يوشك أن ينفضّ السمّارة، ويلحق من بقي بمن راح. ستأخذهم حافلة واحدة، منزوعة الألوان والعلامات، على جانبيها فقط الرقم 26، لا غير. كل الأمتعة والدموع موضبة. المحرّك يدور، والسائق “الدون” قابضًا على المقود، محدقًا في المخرج. يعيد ظهره للوراء، ثم يفزّ بغتةً من مكانه، وكأنه سيسجل ارتقاءةً أعلى. سحب كشفًا من على “الطبلون”، وشرع.. يحضّر الأسماء. مانيه يظنها هجمة مرتدة، يمرّ من بين الكراسي، وهو يلتفت هنا وهناك. يتأكد أن كل اسمٍ يجلس بمقعده المخصص. هناك مقعد شاغر. يخبط أرضية الحافلة بقدمه، ويسأل: الجميع هنا؟ ثم يستدرك سريعًا: “لا، أحدهم تأخر. من؟”. لوكا من مقعده بجوار النافذة منتصف الحافلة، يجيب بنبرة التسليم بحتم الأقدار، دون أن يدير رأسه: “وأين سيذهب! ربما يلتقط صورة للعشب، أو يقصقص الأطراف غير المشذّبة من “النجيلة”، أو ربما خطر بباله أن يعدّ مربعات الشباك، أو لعلّه فكّر كيف أنه لعشرين عامًا لم يسأل أحدًا من هؤلاء الفتية، ملاحقي الكرات الطائشة عن اسمه، وشعر بالخجل، فراح يطاردهم. من منكم فعل؟ بكل حال؛ في النهاية سيأتي”. لم يمض الكثير من الوقت. ميسي يخرج من الباب الجانبي، حاملًا فردتي حذائه. يصعد الحافلة، ويتجه لمقعده دون أن ينبس بكلمة واحدة. الجميع مسندون رؤوسهم بصمت إما على الزجاج الجانبي، أو غائصين بمؤخرات أدمغتهم في مخدات الأعناق. الدون يضيء المصابيح الأمامية. تتحرك الحافلة ببطء وتثاقل، لا يحيط بها أية هتافات ولا حشود. يكبس رونالدو على المنبه “البوري” كبسة واحدة، ضغطة صغيرة.. لكنها استغرقت الأبد، تمامًا كتلك الثانية من “أليس في بلاد العجائب”. كلما ابتعدت الحافلة 26.. تتلاشى أضواؤها الخلفية شيئًا فشيئاً، حتى توارت. إنهم هناك في مقاعدهم، ولا أحد يعرف جهتهم، ومنذها لم يجروا أي اتصال، ولم يظهروا بعد ذلك بأي مكان. وعلى الفور تقاطر لعاب محبي الطلاسم و”التهاويل” وهذر المؤامرات. الأكيد أنهم رحلوا، تاركين خلفهم هذا الزمن الفارغ إلا من المفرقعات المؤقتة؛ لامين جمال، وبقية الدفعة، من مهووسي الأصباغ والتسريحات وصغار الذهون! استثناء احترازي؛ السادة، هالاند وامبابي وحكيمي، وأشباهكم، ومن يعزّ عليكم، اصمدوا حتى النسخة القادمة، فضلًا. أنتم آخر من تبقى! وأخيرًا، ولأجل المحبة والتقاليد؛ التحيّة حق وواجب. نبعثها، ومعها مبخرة الأطياب والشكر الغامر، لمنتخبي مصر والمغرب، وقد تولوا مهمة إسعادنا، عربًا.. وبالأخص سعوديين، وغادروا.. وعلى رؤوسهم التيجان والعناقيد!