القَلقُ النَّقدِي

السِّيولةُ الكتابيةُ في المشهدِ الثقافي الحدِيث أنتجَت العديد من الإحبَاطات، بداية من تضخُّم سوق النَّشر وما لحِق بها من صعُوبات تسويقيَّة، مروراً بعدم اقتناع القُرَّاء بالإنتاج الكتابي ورفضِهم له لاحقاً، وصولاً إلى حالة من التشبُّع بالمستويات الهابِطة ذات القِيَم المتدنية، وهو ما كَان له تأثير عمِيق على النَّقد المعني بقراءة المشهدِ وتطويره؛ إذ دخل في دوَّامة الاختيار من بين الكثرة، في مُحاولة للظَّفر بمنجزات متميِّزة، ذات مستويات مُخالفة للسائد؛ ما تسبَّب في إصابته بنوع من القَلَق. القَلقُ النَّقدِي أمر مشروع في عالمِ الثقافة، حينما تجتازُ الإصدارات قُدرة النُّقاد على مقاربتها بالدِّراسة والتحليل والاستقراء، فالعددُ الكبير يحتاجُ أزمنة ونقاداً أكثر، وهو ما لا يتوفَّر في المشهد الحالي، سواء العربي أو العالمي، حيث النَّقد دوماً أقل بكثير من الإبداع؛ لذا برزَت الملخَّصات في الأغلفةِ الخلفية للكُتُب، التي تعمل كمرايا تقودُ النَّاقد إلى اكتشاف قِيمة الإصدار، ومدَى مساهمته في دفعِ العملية الثقافيَّة. الأغلفةُ الخلفيَّة تنقسم إلى أنواع، الأولُ عبر اجتزاءِ نص من داخلِ العمل، والاكتفاء به كتمثيلٍ على المحتوى والمستوى، والثاني رأيُ شخصٍ أو أشخاص مهتمِّين وبارزين في المجال، والثالث تلخِيص وقراءة تقدِّمها دار النشر التي أصدرته؛ إظهاراً لأهميته، والرابع أنْ يُخصَّص لسيرة الكَاتب الذاتية. الأقسامُ الثَّلاثة الأولى هدفها إشهارُ الكاتب والترويج لكتابته؛ إذ غرضُها التسويق والبيع على المهتمِّين، وهو أمر مفهُوم في ظل المنافسةِ الكبيرة بين الإصدارات، ففي النهاية سوقُ الكتاب محدُودة، والمتسوقون من القُرَّاء تظل نسبتهم منخفضة إذا ما قِيست بالعدد الكُلِّي للمجتمع. إشهارُ الكتاب والترويجُ للكاتب لا يدخُل ضمن نطاق العمَل النَّقدِي، الذي يهدف إلى التحليل والدِّراسة والبحث، بعيداً عن الأحكَام المسبَقة، والتوصيات القبلِيَّة؛ لهذا ستغدو الأغلفةُ الخلفيَّة بأقسامها الثلاثة مجرَّد فاتحة للقراءة، ولا شأنَ لها بالمشهدِ الثقافي، إلا بمقدارِ ارتباطها بأسماء محدَّدة، فرضت نفسَها على الساحة، وأصبحَ لها مكَانة عالية، وهي عمليَّة تقترب من هدفِ النوع الرابع السَّاعي إلى التعريف بالكَاتب وإبرازه، في عمليَّة تمارسها دُور النشر؛ لكسبِ المزيد من الزخم، إذ تخبرُ البيئة الثقافية بوجُودها، وأنها تدعمُ المؤلفين الشباب، فباتوا يتَّجِهون لطباعة مُنجزاتهم عبرها. تركيزُ دور النَّشر على الكُتَّاب الصاعدين يُحسب لها، فحينما تفتحُ أبوابها لاستقبالهم ستنمو بنموهم، وتنتشرُ بانتشارهم، وستتحدَّد مكانتها بناء على تحقيقِهم للشهرة وجذب القُرَّاء، وهي مهمَّة ليسَت سهلة، في ظل المنافسةِ الحامية على السوق، وجذبِ أكبر قدر من الاهتِمَام؛ ما يعني الحاجة إلى النَّقد والنَّاقد. دورُ النَّقد لا يقتصر على التَّعريف بالمنجز وكَاتبه، مثلما يُمارس على الغلاف الخلفي، بل يتجاوزُ إلى الإضاءة عليه، وإبرازِ مزاياه بنوعَيها الإيجابي والسلبي، وهي عمليَّة مُكلِفة ومُجهِدة، تحتاج إلى زمن وبذل جهد، وهو ما لا يتوفَّر دوماً بالنسبة إليه، خصوصاً حينما يوضع العددُ الكبير من الإصدارات في الاعتِبار. كثرةُ الإصدارات وقِلَّة النُّقاد إشكالية تقود إلى قَلَق النَّقد والنَّاقد، حيث السعي إلى رفدِ المشهد الثقافي بمزيدٍ من الخيارات التطويرية، يتعارضُ مع الحاجة إلى بذل المزيد من الجُهد وتوفير مدة زمنيَّة أطول، وهما أمران من الصَّعب تحقُّقهما، وإن تحقَّقا من الصَّعب استمرارهما، والمسألة هنا لا تختصُّ بالثقافة العربية أو المحليَّة، بل تتجاوزُ إلى العالمية، حيث النُّقاد دوماً قِلَّة. قِلَّة النُّقاد وعدم قدرتهم على مقاربةِ جميع الإصدارات؛ تؤدِّي إلى القَلَق النَّقدِي من ناحيتين، الأولى تتعلَّق بكيفية المقاربة، التي ستختلفُ كمًّا وكيفاً عن السابق، فالمنهجيَّات تتطلَّب أدوات وعمليَّات إجرائية تحتاج زمناً لاكتمالها كما هو في الدِّراسات الجامعية، والرسائلِ الأكاديمية، والبحوث العلميِّة المُحكَّمة، حيث سيتم تجاوز المنهجيَّة لصالح الكتابةِ المفتوحة والرأي العَام المبني على استِقراء ناقص؛ ما قد يُعطي انطباعاً خاطئاً حول العمل المدرُوس، والثانية تتعلَّق بمستقبل الكتابات، التي لا تحصلُ على مقاربات منهجيَّة ذات قِيمة عالية، إذ ستختلطُ الأحكَام، وربما تعارضَت؛ لعدم الوثُوق بها، ما سيؤدِّي إلى إشكالية أخرى؛ تتمثَّل في عدم القُدرة على تطوير المشهدِ المستقبلي للثقافة، بسبَب ضعف المقارباتِ الأوليَّة والحالية. سيظلُّ القَلقُ مصاحباً للعملية النقدية طالما استمرَّ عجز مُواكَبة الإصدارات، التي باتت تملأُ الساحة وترسم مُستقبَلها؛ لهذا من الضروري أن تتعاقدَ دور النشر مع نُقاد، مهمَّتُهم قراءة المنجز قبل طباعته، ثم العمَل على تقديمه والكتابةِ عنه، وما بينهما يتم تلافي السَّلبيات والملاحظات.