رؤية في المنهجين التكاملي والوصفي ..

الحرية النقدية أم الهروب من قيود المنهج؟

شهد البحث الأدبي والنقدي في العقود الأخيرة توسعًا ملحوظًا في توظيف المناهج النقدية، وتعددت المقاربات التي تحاول الكشف عن أسرار النصوص الأدبية وطرائق اشتغالها، وفي خضم هذا التعدد برز المنهج التكاملي والمنهج الوصفي التحليلي بوصفهما من أكثر المناهج حضورًا في الدراسات الجامعية والبحوث الأكاديمية، حتى غدا اللجوء إليهما خيارًا شائعًا لدى كثير من الباحثين. غير أن هذا الحضور الكثيف يدعو إلى إعادة النظر فيهما، والتساؤل عن الأسباب الكامنة وراء انتشارهما، وعن مدى انضباطهما المنهجي، وعن علاقتهما بالمناهج النقدية الأخرى ذات الأطر الإجرائية الصارمة. ويقوم المنهج التكاملي على الإفادة من أكثر من منهج في قراءة النص الأدبي؛ إذ لا يكتفي بالمنظور التاريخي، أو الاجتماعي، أو النفسي، أو البنيوي، أو الأسلوبي، أو السيميائي وحده؛ بل يحاول الجمع بينها وفق ما يقتضيه النص المدروس. أما المنهج الوصفي التحليلي فينطلق من وصف الظاهرة الأدبية أو النصية، ثم تحليل عناصرها ومكوناتها للكشف عن خصائصها ودلالاتها. ومن حيث المبدأ، لا يثير هذان المنهجان إشكالًا؛ فالنص الأدبي بطبيعته ظاهرة مركبة، وقد لا تكفي زاوية واحدة للإحاطة بأبعاده المختلفة. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول هذان المنهجان إلى مظلة واسعة تذوب تحتها الحدود المنهجية، أو إلى ملاذ يلجأ إليه الباحث هربًا من الالتزام بالإجراءات الدقيقة التي تفرضها المناهج المختصة؛ فالباحث الذي يعلن انتهاجه للمنهج البنيوي، أو السيميائي، أو التداولي -على سبيل المثال- يجد نفسه مطالبًا بمجموعة من المفاهيم والأدوات والخطوات الإجرائية التي ينبغي أن يطبقها تطبيقًا منضبطًا، ويصبح عرضة للمساءلة العلمية إذا أهمل شيئًا من مقتضيات المنهج. أما حين يكتفي بالإعلان عن اعتماد المنهج التكاملي، أو الوصفي التحليلي؛ فإنه يكتسب مساحة واسعة من الحرية تتيح له الانتقاء من المناهج الأخرى دون أن يلتزم التزامًا كاملًا بقواعد أي منها، ومن هنا يتضح سبب شيوع هذين المنهجين بوصفهما نوعًا من التخفف من الصرامة المنهجية التي تميز كثيرًا من المناهج النقدية الحديثة. فالمنهج التكاملي في بعض تطبيقاته، لا يكون تكاملًا حقيقيًا بين مناهج محددة؛ بل يصبح جمعًا عامًا لملاحظات متفرقة لا يربطها إطار نظري واضح، وكذلك المنهج الوصفي التحليلي قد يتحول إلى تسمية فضفاضة تشمل معظم الدراسات التي تقوم على القراءة والتعليق والاستنتاج دون أن تمتلك أدوات منهجية محددة يمكن التحقق من فاعليتها أو اختبار نتائجها. ومع ذلك، فإن وصف هذين المنهجين بأنهما مجرد هروب من القيود سيكون حكمًا متعجلًا؛ فالمرونة ليست دائمًا عيبًا، كما أن الصرامة ليست فضيلة مطلقة. والنصوص الأدبية الكبرى غالبًا ما تقاوم الاختزال في منهج واحد، وتفرض على الباحث قدرًا من الانفتاح المنهجي. كما أن الإفراط في التقيد بالإجراءات قد يؤدي أحيانًا إلى إخضاع النص لقوالب جاهزة تفقده خصوصيته الفنية والجمالية. ولهذا فإن قيمة المنهج التكاملي أو الوصفي التحليلي لا تتحدد باسمه؛ بل بطريقة توظيفه ومدى وضوح أدواته وحدود تطبيقه، وإن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المنهج نفسه؛ بل في غياب الوعي المنهجي. فحين يكون الباحث مدركًا لحدود كل منهج، وقادرًا على تبرير اختياراته الإجرائية، يصبح التكامل إثراءً للرؤية النقدية لا تهربًا من الانضباط، وحين يستند الوصف والتحليل إلى أسس علمية واضحة، يتحول المنهج الوصفي التحليلي إلى أداة فعالة للكشف عن خصائص النصوص. أما إذا استُخدم هذان المنهجان بوصفهما عناوين عامة تبرر غياب الإطار النظري والإجرائي؛ فإنهما يفقدان قيمتهما العلمية ويتحولان إلى غطاء منهجي، وممارسة بحثية فضفاضة. وختامًا فإن إعادة النظر في المنهج التكاملي والمنهج الوصفي التحليلي ضرورة أكاديمية تفرضها كثرة استعمالهما واتساع حضورهما؛ لأنهما يتيحان قدرًا كبيرًا من الحرية والمرونة، لكن هذه الحرية قد تتحول في بعض الدراسات إلى وسيلة للتخلص من القيود الصارمة التي تحكم المناهج الأخرى، ومن ثم فإن المعيار الحقيقي ليس اختيار المنهج في ذاته، وإنما مقدار الانضباط العلمي الذي يلتزم به الباحث، وقدرته على تحويل المرونة المنهجية إلى رؤية نقدية واعية، لا إلى هروب من مقتضيات البحث العلمي وأدواته الدقيقة.