ثقافة المسميات
تحت عنوان «كلمة» في مجلتنا العزيزة اليمامة أكتب هذه المقالة، لعلها تكون مصباحًا يبدد عتمة الغفلة، وجرسًا يوقظ الوعي الثقافي من سُباته في محافظة الوجه، ويشعل فتيل الفكر في عقول المهتمين بالشأن الثقافي والقائمين عليه، فتعود الثقافة إلى شيء من ألقها القديم، وبريقها الذي طالما أضاء المشهد الإبداعي، واستعاد صفحاتٍ مشرقة من تاريخها الحافل بالنشاط والجوائز والحضور الفاعل في مختلف الفنون، قبل أن يطويها الغياب لأكثر من عقدين من الزمن. وربما يثير حديثي حفيظة بعضهم، غير أن الواقع شاهد لا يجامل، فالحراك الثقافي لا يزال محدود الأثر، بطيء الخطى، ضعيف الحضور، لا يكاد يجد صداه في المجتمع، ولا يحظى بالإقبال والتفاعل، رغم ما يُبذل من اجتهادات فردية متفرقة هنا وهناك، كما يقول المثل: «كلٌّ يغني على ليلاه». وهو أمر يدعو إلى الدهشة والتساؤل؛ فكيف لمحافظة تمتلك هذا الرصيد الثقافي والإنساني أن تغيب عنها الندوات الفكرية، والأمسيات الشعرية، والمعارض الفنية، والملتقيات التي تجمع المثقفين وتستقطب الشباب، وتحتفي بالموروث الشعبي والتراث المحلي؟ وكيف يخفت صوت الثقافة في مدينة كانت يومًا تنبض بالإبداع وتزهو بأبنائها الموهوبين؟ إن الثقافة ليست لافتة تُعلَّق، ولا مسمى يُتداول، بل روح تسري في المجتمع، ووعيٌ يصنع الإنسان، وجسرٌ يصل الماضي بالحاضر والمستقبل. وحين تغيب الفاعلية،تتحول المسميات إلى هياكل بلا روح، وأسماء بلا أثر. وربما لا نستطيع الإحاطة بكل أوجه الخلل في المشهد الثقافي بالمحافظة، فثمة تحديات وصعوبات عديدة تعترض طريقه. غير أنني أرى أن جوهر المشكلة يكمن في أمرين متلازمين: 1-غياب المقر الثقافي المستقل 2-ضعف الدعم المادي. فهما جناحا العمل الثقافي، وإذا انكسر أحدهما تعثر الآخر، واختل التوازن، وتراجعت القدرة على أداء الرسالة المنشودة. إن المبدعين بحاجة إلى بيئة تحتضن إبداعهم، وتوفر لهم مساحة للحوار والتفاعل، وتكتشف المواهب الواعدة وتنميها وتصقلها، ومن أجل أن يستقيم المسار، لا بد من كسر دائرة الصمت، وإزالة الأوهام التي صنعتها المسميات المتفرقة، فاليد الواحدة لا تصفق، والعمل الثقافي لا يزدهر إلا بروح الجماعة. وما تحتاجه المحافظة اليوم أكثر من أي وقت مضى هو توحيد الجهود، وتبادل الرأي والمشورة وتغليب المصلحة الثقافية العامة على الاعتبارات الأخرى .إن الثقافة ليست ميدانًا للتنافس الضيق، بل فضاء رحب للتكامل والتعاون، يجتمع فيه الشعراء والكتّاب والفنانون والمهتمون بالتراث تحت مظلة واحدة، يحملون حلمًا مشتركًا، ويؤمنون برسالة واحدة، ويعملون بروح الفريق الواحد.