الأدب كبوصلة أخلاقية.

ليست القيم فكرةً ذهنية في حد ذاتها أو صيغًا منطقية خرجت من كتب الفلسفة وتموضعت في حيواتنا بل ضوء وإن كان لا يُرى في عينه إلا أننا نعرف الأشياء به ونُعرفها من خلاله، فإن عُهد به إلى عقلٍ مجرد من الإيمان الروحي تحول إلى أداةٍ قاسية تفضح التفاصيل ولاتمنحها الدفء والرؤية، شأنه شأن المُثل حين توكل إلى العقل المجرد وتُحيد عنها الروح بوصفها شُبهةً ميتافيزيقية لا حاجة لها في عصر المادية فتستحيل قسراً من معانٍ حية وعليا إلى قوانين جامدة ومن بوصلة أخلاقية تشير نحو أفضليتنا وفضيلتنا إلى أداة قياس نفعية. مبعث ذلك هو أن العقل حين يُفصل عن الروح لا يعود يرى في الإنسان سوى كائناً حسابياً ولا يتعاطى مع الأشياء من حوله إلا كموادٍ قابلة للاستهلاك ولا يلحظ في القيم عدا ما يصلح لضبط السلوك دون تقويمه. والحق أنه منذ بشرت الفلسفات العقلانية الحديثة بقدرة العقل وحده على تشييد منظومة أخلاقية مستقلة بذاتها لا تحتاج إلى الإيمان كي يستقيم بناؤها ولا إلى الغيب كي تتوازن ومنذ طفق كانط يؤسس كون الأخلاق على العقل الخالص جاعلاً الواجب قيمة مستقلة بذاتها إلى أن أعاد ماكس شيلر اعتبار ماأُقصي طويلاً بتعريفه الشعور كمصدر للقيم لايُستنبط بالحساب العقلي بل يُدرك بالحدس الوجداني حتى باغتنا بتساؤله عما إذا كان الشعور بلا أفق روحي؟ والقيم تنزلق من معناها السامي إلى وظيفتها الاجتماعية ومن رسالتها الروحية إلى فائدتها العملية، وكأن تلك الثقة المطلقة بالعقل ومازاولته الفلسفة من قسوة التجريد قد انقلبتا على الإنسان نفسه فقدمتا المنفعة كفضيلة عليا وقاستا النجاح بما نملك لا بما نكون وبما نربح لا بما نُنقذ من أرواحنا. هكذا وُلدت المادية البحتة لا بوصفها فلسفة فحسب بل أسلوب حياة يمثل الإنسان فيها ثيمة استهلاك قبل أن يكون كائناً أخلاقياً وفرداً قبل أن يكون مسؤولاً وجسداً قبل أن يكون معنى، ولذلك تسيدت اللذة وهيمنت الغريزة على الإنسان المعاصر وخُلق عالم لا يعترف إلا بما يُلمس ولا يُقدس إلا ما يُستهلك ولا يحترم إلا الفرد وهو معزول داخل درعه ممتثلاً لماتمليه عليه الفردانية الحديثة متجنباً مجابهة القيم أو إعلان العداء لها ومنتهجهاً تفريغها من مضمونها. في دهاليز هذه العتمة الناعمة تدخل الأدب بوصفه ضرورة أخلاقية خفية تقدم القيم لابوصفها مبادئ مجردة بل مآسي وتجارب ووجوهاً بشرية ليجسدها بدلاً من أن يناقشتها وليجعلنا نمشي بحذاء المظلوم ونطرق سبله ونحترق معه بدلاً من توصيف العدالة، وليضعنا في زنزانة لنختبر معاً معنى الحرية فيما نعد أنفاسنا قبل أن يصفها لنا، معيدًا بذلك القيمة إلى حيزها الإنساني بعد أن جردها العقل. والأدب في هذا السياق يقوم بدور الوسيط العادل بين الفلسفة والروح فلا يبرهن مثل كانط ولا يصنف مثل شيلر بل يزاول السرد كأقدم أشكال الحكمة الإنسانية ويروي القيم لتصبح قابلة للعيش لا للحفظ فحسب، مخرجاً إياها من جلباب الوعظ البارد والتعريف الجامد، ولهذا فإن القراءة الأدبية ليست نشاطاً ثقافياً محايداً بل مقاومة بطيئة إزاء التشوه ومناهضة لأن نُصير سلعًا معلبةً في رفٍ كبير، وجبهة صلبة ضد المادية المتغولة. ففي عالمٍ يجبرنا على أن نكون أفراداً منعزلين تخبرنا الرواية كيف نكون آخرين وآخرين، وتعلمنا القصيدة كيف نسكن أجساد غيرنا حتى نرى بأعين لا تشبه أعيننا وتذكي القصة عاطفتنا وتُضعف مركزية الأنا وتُربك اللوحة التشكيلية يقين الفرد بأنه وحدة مكتفية بذاتها. وحين نقرأ لا نكتسب معرفة فحسب بل نحيد شيئاً من أنانيتنا ونزاحم الفردانية في عقولنا. إن تغييب الإيمان الروحي عن منظومة القيم يفقد الإنسان شعوره بأن للحياة معنى يتجاوز اللذة والمنفعة فيصبح الوجود صفقة والعلاقات عقوداً مؤقتة والضمير وظيفة اجتماعية لا يقيناً داخلياً ومبعث ذلك هو أن الروح هي التي تعيد للأفعال وزنها الأخلاقي وتعيد للنوايا مكانتها وتجعل الخير خيراً وإن لم يربح والحق حقاً وإن خسر. وليس المقصود بالإيمان هنا هيكله أو طقوسه بل ذلك الشعور العميق بأن الإنسان ليس مشروعاً مادياً بل كائن له امتداده في الغيب ومسؤوليته تتجاوز لحظته العابرة. لهذا يمكن القول إن الأدب، في زمن المادية يؤدي وظيفة روحية مستترة ويذكرنا بما كنا عليه ويعيد تمحورنا حول سؤال ما الذي يستحق أن نكونه؟ إن فلسفة القيم لا تستقيم بعقلٍ أعزل ولا بروحٍ دون وعي بل بجدلٍ حي وحيوي بين الاثنين لأننا حين نُسلم زمامها لعقلٍ مجرد من الإيمان نربح نظاماً ونخسر إنساناً وحين نعيد للأدب مكانته في تشكيل الوعي نفتح نافذةً في هذا البيت الخانق ليدخل شيء من الضوء وشيء من المعنى وهنا فقط تستعيد القيم معناها كتجربة إنسانية ومعيار لوجودنا.