المنتخب السعودي ليس مجرد فريق لكرة القدم، بل واجهة وطنية يلتف حولها الجميع، من المهتمين بالرياضة إلى غير المتابعين لها. ولذلك لم تكن إنجازاته نتائج داخل الملعب فحسب، بل مناسبات وطنية عمّت فيها الفرحة مختلف فئات المجتمع. ولعل الفوز التاريخي على الأرجنتين في كأس العالم 2022م أعاد إلى الأذهان سنوات الثمانينيات والتسعينيات، حين فرض الأخضر هيمنته على الكرة الآسيوية، وظل حاضرًا على منصات التتويج بين اللقب والوصافة، وبلوغ دور الستة عشر في كأس العالم 1994م. لكن الصورة بدأت تتغير تدريجيًا مع مرور السنوات، فتراجعت النتائج والمستويات بما لا ينسجم مع مكانة الكرة السعودية، ولم تكن المشاركة في كأس العالم الحالية سوى امتداد لإخفاقات سابقة. ومع كل إخفاق يعود الجدل نفسه، فتتصدر البرامج الرياضية ومنصات التواصل وأعمدة الصحف الأحاديث المعتادة عن الاحتراف الخارجي، والأكاديميات، وعدد اللاعبين الأجانب، وندرة المواهب، ويُحمَّل المدرب جانبًا كبيرًا من المسؤولية، وقد يُستبدل بآخر، وتتوالى الوعود بالخطط الاستراتيجية، حتى يبدو وكأن المنتخب سيظل محور الاهتمام. غير أن هذا الاهتمام لم يدم طويلًا؛ فما إن انطلقت الأدوار الإقصائية في كأس العالم، حتى بدأت الأنظار تتجه إلى الصراع على اللقب، وتراجع الحديث عن المنتخب السعودي تدريجيًا. فكلما ازدادت الإثارة واشتد التنافس، تقلصت المساحة المخصصة للحديث عن هموم الكرة السعودية، حتى كاد يغيب عن واجهة النقاش. وبمجرد إسدال الستار على كأس العالم، ستتحول بوصلة الاهتمام مباشرة إلى الميركاتو الصيفي، لتتصدر صفقات الأندية المشهد الرياضي. ثم ينطلق دوري روشن، لتنشغل المجالس ووسائل الإعلام ومواقع التواصل بأخبار الأندية ونتائجها، وما يصاحبها من جدل و»طقطقة» بين الجماهير، بينما يغيب المنتخب عن المشهد الرياضي. ومع اقتراب كأس الخليج، سنتذكر من جديد أن لدينا منتخبًا وطنيًا. وما إن تُعلن القائمة، حتى يبدأ الحديث عن الأسماء المختارة بآراء لا تخلو من تأثير الانتماءات للأندية، وتتكرر التوقعات بصعوبة المنافسة، ويعود الحديث السابق بالأسباب نفسها والحلول ذاتها. وستُقدَّم البطولة بوصفها محطة إعداد لكأس آسيا، قبل أن تتكرر الأسطوانة نفسها مع انطلاق البطولة القارية، وكأننا ندور في الحلقة ذاتها من بطولة إلى أخرى. لم تعد الكرة السعودية بحاجة إلى مزيد من الطرح المستهلك، بقدر حاجتها إلى مشروع وطني مستدام، يواكب ما تشهده المملكة من تحولات كبرى ضمن رؤية المملكة 2030. فاستضافة المملكة لكأس العالم 2034 يجب ألا تكون مجرد شرف التنظيم، بل نقطة انطلاق تعيد سيطرة الصقور الخضر على الكرة الآسيوية، وتؤهلهم لمقارعة كبار منتخبات العالم، ليكون حضورهم في المحافل القارية والدولية على قدر المكانة التي بلغتها المملكة في مختلف المجالات. malkarim@hotmail.com