الشاعر الباكستاني شاهد عباس:

دور الشعر هو أن يعيدنا بهدوء إلى عالمنا الداخلي.

الشاعر الباكستاني شاهد عباس من الأصوات الشعرية المعاصرة التي برزت في الساحة الدولية خلال السنوات الأخيرة، ينحدر من منطقة كيربالا في تندليانوالا بمدينة فيصل أباد، وقد عرف بكتابته الشعرية باللغة الإنجليزية إلى جانب مشاركته في مشاريع أدبية عالمية متعددة، من أبرز دواوينه الشعرية كلمات من الطبيعة، وترجمت قصائده إلى نحو عشر لغات مختلفة، التقيناه على خلفية بروز اسم باكستان في الساحة السياسية، على أمل أن تكون هذه السانحة نقطة محورية تدفع بالحوار الثقافي بين الشعوب خطوات إلى الأمام، فإلى الحوار: منذ بدء الحرب الأمريكية على إيران التي سمتها أمريكا بالغضب الملحمي، عاش العالم أياما عصيبة، جعلتنا نتساءل حول مستقبل الحياة على هذا الكوكب الذي يزداد تقدما تكنولوجيا ويزداد وحشية أيضا، وفي حالات كهذه، يُصاب بعض الكُتّاب والفنانين بالإحباط لأنهم يشعرون بأن أعمالهم الإبداعية لا تغيّر شيئًا في الواقع، متناسين أن المسرح الحقيقي للكلمة المكتوبة ليس الواقع الخارجي بقدر ما هو أعماق النفس البشرية، كشاعر كيف تفسر هذا الشعور؟ - أتفهم هذا الشعور بالإحباط، فهو ليس جديدًا، حتى وإن بدا شديد الارتباط بعصرنا الراهن، فكل جيل من الكُتّاب يطرح على نفسه، في مرحلة ما، السؤال ذاته: هل ما تزال الكلمات قادرة على إحداث فرق في عالم يبدو أنه يتحرك بسرعة أكبر من قدرة التأمل على اللحاق به، افتراض أن الشعر ينبغي أن «يغيّر» الواقع بطريقة مرئية أو قابلة للقياس، فيه شيء من التضليل، فالشعر نادرًا ما عمل بهذه الكيفية. حركته أبطأ بكثير، تكاد تكون غير مرئية، إنه لا يستبدل الواقع، بل يعيد تشكيل الطريقة التي يُدرك بها الواقع من الداخل، بالنسبة إليّ، ينتمي الشعر إلى مجال الإدراك أكثر مما ينتمي إلى مجال التدخل المباشر. كثيرًا ما نتوقع من الأدب أن يتصرف كما لو كان فعلًا عمليًا أو نشاطًا تغييريًا مباشرًا، لكن الشعر ليس فعلًا بهذا المعنى، إنه أقرب إلى شكل من أشكال الانتباه العميق، وهذا الانتباه، حين يكون صادقًا، يبدأ بالفعل في تغيير البنية الداخلية للإنسان، قد لا يكون هذا التغيير ظاهرًا على السطح، لكنه حقيقي بكل تأكيد. برأيك، ما الدور الذي ينبغي أن يؤديه الشعر في هذه المرحلة من مسيرة الإنسانية؟ - في هذه المرحلة من تاريخ البشرية، حيث أصبح جانب كبير من الحياة موجهًا إلى الخارج — من استعراض الذات، وإبداء الآراء، وتشكيل الهويات، والركض الدائم خلف السرعة — أشعر أن دور الشعر هو أن يعيدنا، بهدوء، إلى عالمنا الداخلي، ليس من باب الهروب، بل من باب مكاشفة الذات ومعرفتها؛ لتذكيرنا بأن تحت ركام كل هذه الأنظمة والبنى والهياكل، لا تزال هناك مساحة إنسانية تسبق فيها المشاعرُ التفسيراتِ، ويأتي فيها الإحساس قبل التأويل، أحيانًا أفكر أن الشعر لا «يحل» شيئًا بالمعنى المباشر للكلمة، لكنه يمنع بعض الملكات الإنسانية من التلاشي: الحساسية، والقدرة على تقبل الغموض، والإصغاء العميق، والقدرة على التعايش مع ما لا يمكن فهمه على الفور، ولعل في هذا كفاية، لأنه إذا فقد البشر قدرتهم على الإحساس العميق والملاحظة الدقيقة، فإن أكثر أشكال التقدم تطورًا ستغدو خاوية من المشاعر ومجردة من الروح، ومن هذا المنطلق، لا يقوم الشعر بتزيين الحياة، بل يحافظ على عمقها، لذلك أرى أن مهمة الشعر اليوم ليست أن يثبت جدواه أو نفعه العملي، بل أن يصون ذلك النوع من الوعي الذي لا تكف الحياة الحديثة عن تهديده بالمحو والنسيان. في قصيدتك «لا يوم للأرض» تبدو حزينًا إزاء حالة التيه التي يعيشها العالم، وكأن الإنسانية قد أضاعت البوصلة التي يمكن أن تقودها إلى نبع السلام الحقيقي، واكتفت بدلًا من ذلك بسراب الأسماء والشعارات البراقة. كيف تنظر إلى عالم اليوم؟ وإلى أين تعتقد أنه يتجه؟ - لا أنظر دائمًا إلى العالم بوصفه شيئًا يمكنني «تعريفه» تعريفًا جامعا مانعا؛ فهو يظل يفلت من التعريفات باستمرار، في بعض الأيام يتملكني شعور بأننا نعيش وسط فيضٍ من التفسيرات، لكن مع قدر ضئيل جدًا من الفهم الحقيقي. لا أعتقد أننا فقدنا البوصلة بطريقة درامية أو فجائية؛ الأمر أكثر خفاءً وتعقيدا من ذلك، نحن ما زلنا نحمل البوصلة معنا، لكننا نواصل مقارنتها بعدد هائل من الاتجاهات المصطنعة: الاجتماعية، والسياسية، والرقمية، والعاطفية، ومع مرور الوقت نسينا كيف يبدو “الشمال الحقيقي” في صفائه الأصيل دون الحاجة للمقارنة. حين كتبت قصيدة «لا يوم للأرض» لم يكن دافعي مجرد قلق بيئي بالمعنى المباشر للكلمة، بل كان الأمر يتعلق بتلك العادة الغريبة التي طورناها: أن نمنح الأشياء أسماء بدلًا من عيش جوهرها، نطلق أسماء على تواريخ باسم السلام، أو الوعي، أو المسؤولية... وأحيانًا تحل هذه التسميات محل التجربة ذاتها، هذه المسافة الفاصلة بين الاسم والعيش الفعلي هي ما يثير اهتمامي أكثر من الشعارات نفسها. ربما تهدف هذه الشعارات إلى تشكيل وعي عالمي بالقضايا المشتركة في هذه القرية الكونية الجديدة، أليس كذلك؟ - يبدو عالم اليوم شديد الترابط، لكنه ليس بالضرورة أكثر قربًا، هناك نوع من السرعة يطغى على كل شيء: سرعة المعلومات، وسرعة الآراء، وسرعة ردود الأفعال. لكن السرعة لا تفضي دائمًا إلى الوضوح، بل إنها أحيانًا تسلبنا ذلك الصمت الذي لا يمكن للوضوح أن يولد إلا في رحابه، وبوصفي شاعرًا، أتردد في إصدار أحكام نهائية حول الوجهة التي يتجه إليها العالم، فمثل هذه الأحكام تبدو مغلقة أكثر مما ينبغي على واقع ما يزال يتشكل ويتكشف، لكنني أشعر أننا نعيش لحظة لم يعد فيها المعنى معطًى جاهزًا، بل صار شيئًا ينبغي استعادته بهدوء، وكأن ذلك يتم ضد تيار العصر نفسه، وربما لا يمثل هذا خسارة محضة بالضرورة، فثمة قدر من الصدق الكامن في ذلك أيضًا، فعندما لا يُمنح المعنى لنا بصورة جاهزة، نُجبر — وأحيانًا عبر معاناة مؤلمة — على أن نشارك مجددًا في عملية صنعه وتشكيله، لذلك لا أرى العالم متجهًا ببساطة نحو عتمة مطلقة أو ضياء خالص، بل أراه كيانًا ما يزال يتفاوض مع لغته الخاصة، ونحن جزء من هذه المفاوضة ولسنا خارجها. كيف تصف لنا الحركة الشعرية المعاصرة في بلدك؟ وما أبرز اتجاهاتها وتياراتها؟ - أجد من الصعوبة بمكان، وصف الشعر الباكستاني المعاصر بأنه «حركة» واحدة متجانسة، لأن ما نراه اليوم أقرب إلى حقل متعدد الطبقات والمسارات، وليس اتجاها موحدا. فثمة أصوات متباينة تتحرك بسرعات مختلفة، وأحيانًا في مسارات جمالية وفكرية متباعدة تمامًا، فمن جهة، ما يزال هناك امتداد قوي للتقاليد الكلاسيكية والحديثة؛ إذ يواصل الشعر المكتوب بالأردية حمل الأشكال الموروثة والصور الشعرية والبنى الوجدانية التي تشكلت عبر أجيال طويلة، وهذه الاستمرارية مهمة لأنها تصون الذاكرة الثقافية وتُبقي لغة أدبية معينة حيةً في وجدان القراء الذين ما يزالون يتفاعلون معها بعمق. وفي المقابل، ثمة تيار آخر يبدو أكثر تشظيًا وتجريبًا، وأقل اكتراثا بالتوقعات التقليدية، فكثير من الشعراء الشباب لا يكتفون بالكتابة داخل الأشكال الموروثة، بل يطرحون أسئلة حول كينونة “الشكل الشعري” نفسه وما يعنيه في زمننا الراهن، وغالبا ما تتشكل اهتماماتهم بقضايا معاصرة مثل الهجرة، والحياة الرقمية، وتحولات الهوية، والقلق البيئي، وشعور الاغتراب العاطفي الذي يصاحب التغيرات العالمية المتسارعة. وما هي دينامية العلاقة بين هذين التيارين؟ - ما أجده مثيرًا للاهتمام هو أن هذين الاتجاهين لا يلغي أحدهما الآخر. إنهما يتعايشان جنبًا إلى جنب، وأحيانًا داخل الشاعر نفسه. فقد يحمل الشاعر حساسية كلاسيكية في لحظة ما، ثم يعبر في لحظة أخرى عن قلق ما بعد حداثي، وهذا التوتر، في نظري، من أكثر السمات تعبيرًا عن روح العصر. وماذا عن الشعر المكتوب بالإنجليزية خاصة وأنت من الذين يكتبون بهذه اللغة؟ - أصبح الشعر الباكستاني المكتوب باللغة الإنجليزية أكثر حضورًا على المستوى الدولي، الأمر الذي أتاح لبعض الأصوات الأدبية دخول الفضاءات الأدبية العالمية بصورة مباشرة، ومع ذلك، أشعر أحيانًا أن العمق الحقيقي للشعر الباكستاني ما يزال محجوبًا جزئيًا خلف الحدود اللغوية، وأن الترجمة ما تزال جسرًا غير مكتمل. من هم الشعراء الباكستانيين الأكثر حضورا في الساحة العالمية؟ -فيما يتعلق بالشعراء الذين نالوا حضورًا خارج باكستان، فإن الأسماء المؤسسة مثل محمد إقبال وفيض أحمد فيض وغيرهما ما تزال تمثل مراجع أساسية في الوعي الأدبي العالمي، لكن الأهم من الأسماء الفردية هو التزايد التدريجي في ظهور منظومة أدبية أوسع، حيث بدأت أصوات أقل شهرة تجد قراءً خارج مجتمعاتها اللغوية المباشرة، وبوجه عام، أرى أن الشعر الباكستاني المعاصر يعيش حالة انتقال لا حالة استقرار. إنه يتفاوض باستمرار بين الذاكرة واللايقين، وبين الأشكال الموروثة والحساسيات الجديدة الناشئة. وربما تكون هذه السمة غير المكتملة بالذات هي ما يجعله حيًا ومفعمًا بالحركة اليوم.