« البوابة صفر» لـ « فاطمة الدوسري» ..

رواية التحولات والأسئلة المؤجلة .

(البوابة صفر) هي الرواية الأحدث للقاصة الروائية فاطمة الدوسري. من منشورات (رامينا) للعام الحالي 2026. تتألف من سبعين ومائة صفحة موزعة على ثلاثة وأربعين فصلا، اختارت المؤلفة تسمية الفصول بدلا من ترقيمها. تتناول الرواية قضايا مجتمعنا السعودي الذي يعيش أبناؤه بين متمسك بعاداته وتقاليده، وإن خالفت المنطق والعرف، وسببت الشقاء للبنات والأبناء، وبين متطلع لعصر الانفتاح يقفز من أجل اقتحامه دون تروٍّ أو مراجعة، ودون تفكير في مرجعيته من أهل ومجتمع. تبدأ الرواية باستقبال الضيوف المدعوين لحفل زواج حُدِّد له الليلة القادمة، يقام في بيت الشيخ مسفر، تزف فيه ابنة أحد وجهاء القرية لابنه الضابط (هادي). في غمرة الأفراح يصل في اللحظة الأخيرة قادما من الرياض المهندس؛ سالم شقيق مسفر، الغائب عن القرية منذ سنوات، ترافقه زوجته الطبيبة فوزية وابناها وابنتاها. تنشب معركة كلامية بين أم العريس وأم العروس تنتهي بإنهاء الزواج المقرر قبل إتمامه. وأمام هذا الموقف المحرج للشيخ مسفر أمام ضيوفه، وانتقاما من أهل العروس لا يجد مسفر حلا أسرع لإتمام الفرح قي وقته إلا أن يزوج ابنه هادي بابنة أخيه (دانة) بعد أن قال قانون طاعة الكبير كلمته، دون إيلاء أي أمر أخر أدنى اعتبار. في هذه النقطة ينتهي دور الراوي العليم، وتتسلم (دانة) دفة الحديث لتروي حكايتها بدءا من هذا الزواج المفاجئ، وما تبعه من حمل وانفصال عن ابن عمها، ثم إنجاب طفلها (سلمان)، وتقاعد والدتها الدكتورة فوزية، لتجد نفسها قادرة على الالتحاق بالعمل بخدمة العملاء في مركز تسوق كبير في العاصمة. تنحصر أحداث الرواية بعد ذلك في شخوصها الذين يمثلون مجتمع المركز التجاري، وإن لم يمثلوا شرائح المجتمع السعودي المختلفة: أبو سند مدير المركز ذو الشخصية التي يلفها الغموض ويسيطر عليها الريبة من النساء. ومشعل المسؤول عن تدريب موظفات الاستقبال بشخصيته المهزوزة المستقاة من تربيته النسوية محاطا بالنساء في العمل وبأخواته في البيت. وبدر الموالي حارس الأمن ذو الأوجه المتعددة بين طيبة وسذاجة ونفاق ولصوصية وإجرام. وأبو مرضي المتسوق ذو الأيادي الكريمة التي يبذلها صدقة عن زوجته وابنه الراحلين في حادث مأساوي. أما النساء فـ (دانة) وزميلاتها، وأولاهن (هيام) التي سبقتها للعمل وظلت معها إلى أن ترقت ونقلت للعمل في الإدارة قبل أن تلحق بها دانة. و(فاتن) و(سدن) اللتان التحقتا بالعمل في خدمة العملاء بعدها. ثم تأتي أم راكان مسؤولة حارسات الأمن. ولكل من هؤلاء النسوة حكاية تفسر تصرفها وتحلل شخصيتها. (هيام) أبوها مزواج لديها ثلاث زوجات، وعدد كبير من الأبناء والبنات، و(سدن) هاربة من أهلها في بلدتها البعيدة، بسبب إجبارها على زواج لم تستشر فيه ولم ترده. و(فاتن) فتاة لعوب هدفها الوصول لهدفها بأية وسيلة، و(أم راكان) أنموذج للمرأة الضعيفة مسلوبة الحق من الأهل والزوج والمجتمع. من الطبعي ألا تسير الأحداث وسط هذا المزيج من الشخصيات المهزوزة سيرة طبعية، وأن تظهر الخلافات والتنافس وتنتشر المكائد، فهل وراء اختيار هذه الشخصيات مغزى أرادت أن توصله لنا الكاتبة؟. هل أرادت أن تقول إن هذا هو حال المجتمع المنفلت من الرقابة؟ أم أرادت أن تلفت انتباهنا إلى أن خلف كل تصرف لا نستطيع تفسيره مسببات؟ كان بإمكان المؤلفة الغوص بنا أكثر في حياة أبطال روايتها لا سيما (فاتن) بدلا من الملامسة السطحية، مع ما أوتيت من قدرة على تحليل شخصيات روايتها، كتحليلها لشخصية أبي سند، أو مشعل الذي تسبب في لزومهما هذا السلوك. وتحليلها لشخصية بطلة الرواية (دانة) التي تنازعت رغباتها مع خوفها، حيث كان الانتصار للأخير. لم تخل الرواية من رسائل، مثل تعليل أهل دانة نفورهم من علاقة ابنتهم بزميلتها (سدن) لكونها هاربة من أهلها. ومثل التناقض بين حرص مشعل على خلع زميلاته النقاب أو الحجاب، وإصراره على أن تستقيل خطيبته من العمل في المركز، وأن ترتدي النقاب. كما أشارت الرواية إلى ظاهرة قلَّ من أشار إليها، وهي دور (كوفيد 19) والكمامة التي لازمته في مساعدة بعض الفتيات على التخلي عن النقاب. امتازت الرواية بميزتين؛ الأولى سلامتها اللغوية وأسلوبها الممتع، والثانية عنصر التشويق الذي يجبر القارئ على أن يواصل القراءة إلى أن يصطدم بالغلاف.