في رواية « الشيخة الريمتي لواسيني الأعرج » ..

حين يتحول الألم إلى غناء .

ليست كل قراءة عبورًا هادئا، فبعض النصوص تقتحمك اقتحامًا وتعيد ترتيبك من الداخل، وهذا ما يحدث حين تفتح رواية “ الشيخة الريمتي” لواسيني الأعرج. هنا لا تقرأ حكاية بقدر ما تعيش انكشافا، ولا تتابع أحداثا بقدر ما تدخل في تجربة تمتحن ذاكرتك وتضعك في مواجهة مع ما تحاول تجاهله في  مناطق الجزائر. هذه الرواية لا تقدم امرأة شجاعة بقدر ما تقدم صوتا خرج من العتمة ورفض أن يعود إليها. الشيخة الريمتي ليست صورة أدبية ولا شخصية عابرة في سرد طويل، بل هي كثافة إنسانية تختزل صراعًا مريرًا بين الفن والسلطة، بين الجسد ونظرة المجتمع، بين الرغبة في التعبير والخوف من الثمن. إنها امرأة لا تُختصر، ولا تُروى بسهولة، لأنها ببساطة أكبر من كل التصنيفات الجاهزة. واسيني الأعرج لا يكتب سيرة تقليدية قديمة ، بل يكتب وجعا مفتوحا على احتمالات متعددة. يستدعي ذاكرة الجزائر في أكثر مناطقها هشاشة و انحطاطا، حيث تتقاطع القداسة مع الإقصاء، ويتحول الصوت الأنثوي إلى قضية بدل أن يكون مجرد تعبير. الريمتي في هذه الرواية ليست كما يريدها الآخرون، بل كما تفرض نفسها، متناقضة، حادة، ومشبعة بحضور لا يقبل التهميش. ولا يمكن قراءة هذه الرواية دون الانتباه إلى المكان الذي يتشكل داخلها قبل خارجها كما تتشكل الشخصيات. الطبيعة التي عاشت فيها الريمتي ليست خلفية صامتة، بل قوة خفية تترك أثرها في كل غنوة تغنيها، سواء مرضية و غير مرضية. جراء القسوة التي تميز المكان، حرارته، صخبه، وانكساراته، كلها تنعكس في روح البطلة. كأن الأرض نفسها تشارك في صياغة مصيرها، وكأن اتساع الأفق لا يمنح الحرية بقدر ما يكشف حجم القيود المدينة والقرية لا تظهران كفضاءات عابرة، بل كذاكرة متحركة تحمل آثار من مروا بها. الأزقة، الأسواق، المقاهي، الليل الطويل، كلها عناصر تتجاوز دورها الوصفي لتصبح جزءا من النسيج النفسي للرواية. المكان هنا يراقب ويؤثر، يحتضن ويقسو، لكنه لا يغيب أبدا عن تشكيل الرواية. في عالم البطلة، لا يكون الغناء ترفا، بل ضرورة وجودية. الصوت يتحول إلى وسيلة مقاومة، إلى فعل تحدٍّ في وجه كل ماهو مفروض. كل نغمة تحمل وجعا متراكما، وكل أداء هو محاولة لاستعادة الذات من بين أنياب الحكم المسبق للمجتمع المحافظ، الفن هنا ليس جمالا خالصا، بل صراع من أجل البقاء الروائي أراد ان يتحرك داخل ذاكرة لا تستقر، ذاكرة تتبدل وتعيد تشكيل نفسها باستمرار. لا تمنح القارئ يقينا مريحا، بل تدفعه إلى الشك وإعادة النظر. كل ما يبدو ثابتا سرعان ما يتفكك، وكل حقيقة تكشف عن وجه آخر يناقضها لغة واسيني الأعرج في هذا النص ليست مجرد أداة، بل كيان مستقل. لغة مشبعة بالشعر الشعبي دون أن تفقد قوتها، قادرة على أن تكون رقيقة وقاسية في آن واحد. الجملة عنده لا تمر مرورا عابرا، بل تفرض حضورها، تجبرك على التوقف، وعلى أن تكون شريكا في إنتاج المعنى . الشيخة الريمتي ليست ضحية تنتظر الشفقة، ولا بطلة تبحث عن تمجيد. إنها إنسان في حالة صراع دائم، تقف بين مجتمع يريدها أن تختزل في صورة واحدة، وفن يطلب منها أن تحترق لتبقى. وبين هذا وذاك، تصنع طريقها الخاص، حتى وإن كان مليئا بالخسارات و الخذلان الرواية لا تقدم أجوبة، ولا تسعى إلى إرضاء القارئ، بل تضعه في قلب الأسئلة. هل يمكن للفن أن يكون حرا في بيئة تحاصره بالأحكام؟ هل يمكن للصوت أن ينجو من سلطة النظرة؟ وهل يمكن للإنسان أن يكون ذاته دون أن يدفع ثمن ذلك؟ بعد هذه القراءة، لا تعود كما كنت. لأن النص الحقيقي لا يمر، بل يترك أثرا، يخلخل يقينك، ويجعلك ترى ما كنت تتجاهله. “ الشيخة الريمتي” ليست رواية تنتهي عند آخر صفحة، بل تبدأ هناك، داخل القارئ، حيث تستمر المواجهة دون توقف *كاتب جزائري