أتوقف في هذه القراءة التأملية عند لوحة فنية متنوعة المضمون، زاهية الألوان، عميقة الدلالات؛ إذ أقدم قراءة تأملية تحليلية لديوان “على أعتاب الغياب” للشاعرة السعودية عفاف الحربي. الأستاذة عفاف الحربي شاعرة وتربوية حازت عددا من الجوائز منها تأهُّلُها لجائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للمعلم المتميز على مستوى تعليم منطقة مكة المكرمة، وجائزة الإجازة الشعرية “بالشعر نتواصل” على مستوى المعلمين والمعلمات، ولها كتاب بعنوان “على جناح غيمة” لرعاية مواهب الطالبات “كاتبات الغد” فاز بجائزة “ملوك الحرف” بالقاهرة. كما شاركت في تأليف عدد من الكتب والدواوين مع آخرين، وأسست عددا من الأندية الطلابية والقنوات للطلاب والطالبات. أما “على أعتاب الغياب” فهو الديوان الفائز بالجائزة الدولية لمهرجان الشعر الفصيح لإبداعات المرأة الخليجية في دورته السابعة عام 2025 بالشارقة. يعد العنوان في العمل الأدبي عتبة مهمة جدا، وعنوان الديوان هنا مكون من ثلاث كلمات: “على أعتاب الغياب”. تركيبيا هو شبه جملة مكونة من جار ومجرور “على أعتاب” ومضاف إليه “الغياب” وفي العنوان حذف، وحتى يكتمل مضمونه يمكن أن نقدره بـ: وقفنا على أعتاب الغياب لقاؤنا على أعتاب الغياب كما يمكن أن يقدر المحذوف متأخرا على أعتاب الغياب وقفنا وهكذا ... من الناحية الدلالية، فالعنوان يوحي ببدء رحلة غياب؛ لأن الوضع الآن وقوفًا على عتبة الغياب أي بدايته. أما معجميا فالعنوان به حرف جر، وبه جمع تكسير أعتاب جمع عتبة، وبه مصدر وهو الغياب من الثلاثي الأجوف غاب. تقول الشاعرة في الإهداء: “إلى عشاق الحرف هأنذا عزف وبعض من نزف” إذن أهدت ديوانها إلى عشاق الحرف، عشاق الكلمة الصادقة الرصينة، محبي الشعر. ولخصت في الإهداء محتوى الديوان، وتنوع قصائده؛ إذ إن القارئ للديوان يجد قصائده ما بين قصائد الحب والغزل “عزف” والألم والحزن “نزف” التزمت الشاعرة -في جميع قصائد الديوان- الشكل العمودي الخليلي الكلاسيكي؛ حيث لم ترد فيه قصيدة تفعيلة ولا قصيدة نثر، إذن الشاعرة عفاف شاعرة ملتزمة بهيكل الشعر ولا تحيد عنه، وتمكنت من ذلك؛ فقد نوّعت بين البحور؛ حيث صاغت قصائدها - في ديوانها - على خمسة منها مع تفاوت في استخدام بعضها أكثر من غيره. ثلاثون قصيدة في هذا الديوان تنوعت في أغراضها بين الغزل والحب والوصف والتأمل .... بما أن الشاعرة من مكة، فقد كان لعبق المكان سحره وتأثيره على لونية قصائدها، إذ نجد عددا من القصائد نظمتها الشاعرة في مكة مثل: سنا عرفات، وقبلة الأرض ... تقول في قبلة الأرض صادحة بحب هذا الوطن العظيم: ثمل الفؤاد بحبها وبوصلها فغدوت أرعى ما عليّ وما لها بح يا فؤاد من الحنين لأرضها تجد المودة في القلوب صدى لها جاءت قصائد الديوان تعبيرا على ذاتية الشاعرة؛ إذ صبغت هذه الذاتية الطابع العام للديوان، فبرزت ضمائر المتكلم كثيرا جدا في قصائدها، ومن ذلك: من أين أبدأ أهدهد أغار عليك قد كنتُ أمي أتيتُ تخوفتُ جفني عيوني... والسبب في هذا واضح؛ فالشاعرة تتحدث عن انتمائها للوطن وعن حبها لوالدتها، وعن رؤيتها للحياة ... فجميعها موضوعات تحتّم عليها أن يكون منطلقها ذاتيا وأن تطغى ضمائر المتكلم. برزت صلتها الصميمة بوالدتها، فخلّدت ذلك في عدد من قصائد الديوان منها: “قصيدة الحب”، و”شاطئ الرحمات” تقول عنها في “قصيدة الحب”: أمي وأمضي ودعواها ترافقني بوحا سيلثم إرهاقي وإخفاقي وفي شاطئ الرحمات: أمي وإن خلع الربيع رداءه كانت ربيعا في دروبي يزهر لغة الديوان لغة رقيقة ناصعة موحية جزلة، ارتبطت بقوة مع عنوان الديوان، فجاءت مفرداته ذات صلة بعنوان الديوان “على أعتاب الغياب”، ومن ذلك: تشتت شملك الرحيل الحنين الرحلة المغادرة الدرب النأي ... تدهش الشاعرة القارئ، وتجعله مشدودا لبراعتها في استهلال قصائدها، وذلك باستخدامها الاستفهام في مطالع القصائد، ومن ذلك في قصيدة “قبلة الأرض”؛ حيث تبدأ قصيدتها بهذا الاستفهام: من أين أبدأ كي تفيض قريحتي؟ وفي مطلع قصيدة “شكوى” تقول: أتشكو إلى الليل؟ لن يسمعك وفي قصيدة “بوح الصمت” تقول: أتأسرني الطيوف بلا انعتاق؟ وفي قصيدة أسمتها “قصيدة الحب” أوردت الاستفهام في خمسة أبيات متتالية في ثنايا القصيدة أولها: من أين جئت بهذا القلب يا سندي؟ يعفو يرق يعافي ضعف أمشاق ثم تلته أربعة أبيات بدأت كلها باستفهام. تستخدم الشاعرة التناص بعفوية بالغة، وبحرفية متقنة، ومن ذلك حينما تتناص مع امرئ القيس في قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتقول شاعرتنا: قفا نبك ذاك القلب والفقد موجع بسقط الأسى بين المدامع يركع ثم تكرر في البيت الثاني قفا نبك: قفا نبك ذاك النجم والشعر في فمي ومن حولنا جيد الدجى يتقطع وتناصّت أيضا مع عنترة في معلقته: أشطان بئر في لبان الأدهم حيث قالت في قصيدة “على أعتاب الغياب” التي أسمت بها ديوانها: كأن لحاظه أشطان بئر ويمتد التناص إلى المتنبي في قوله: واحر قلباه ممن قلبه شبم فتقول الشاعرة: واحر قلباه ممن قربهم ألم هكذا بدا لنا ديوان “على أعتاب الغياب” سفرا عظيما، يستوجب التأمل العميق والقراءة الحصيفة، ولا عجب، فالشاعرة أخلصت لديوانها وأحبت شعرها وعشقت حرفها، وعشقها حرفها، فهي القائلة: الحرف عشقي حنونا حين أنشده ما إن أقدمه حتى يقدمني هذه وقفات موجزة، ولمحات مختصرة، حول ديوان عميق، وشاعرة متميزة، حسبي أن أضأت بعض جوانبه، وأبرزت شيئا من جمالياته، لأفتح المجال لمزيد من القراءات هذه التجربة الشعرية الثرية. * أديب سوداني