.

حقوق المساهمين أم رواتب التنفيذيين؟

برزت في العقود الأخيرة ظاهرة لافتة في قطاع الشركات المساهمة، تمثلت في التضخم المتنامي لرواتب الرؤساء التنفيذيين وكبار المديرين في الشركات، وما يرتبط بها من مكافآت وامتيازات ومزايا استثنائية، حتى أصبحت في كثير من الأحيان تفوق - بأضعاف مضاعفة - متوسط أجور الموظفين والعاملين داخل الشركة. ولم تعد هذه الظاهرة محصورة في الاقتصادات الغربية، بل امتدت بدرجات متفاوتة إلى العديد من الأسواق المالية حول العالم، وأصبحت محل جدلٍ واسع بين المستثمرين وخبراء الحوكمة والاقتصاديين. المشكلة – هنا - لا تكمن في حصول التنفيذيين المتميزين على أجور مرتفعة، فالإدارة الكفؤة مورد نادر، والقدرة على قيادة الشركات الكبرى وتحقيق النمو وخلق القيمة للمساهمين تستحق العوض المناسب. لكن الإشكال يبدأ عندما تنفصل مكافآت الإدارة عن الأداء الحقيقي للشركة، أو عندما تتضخم الرواتب والامتيازات في الوقت الذي يعاني فيه حملة الأسهم من ضعف العوائد، أو تراجع قيمة أسهم الشركة، أو تتقلص أرباحها الموزعة. في هذه الحالة لا تصبح المسألة مجرد قضية أجور، بل تتحول إلى قضية حوكمة وعدالة اقتصادية، وتمس جوهر العلاقة بين الإدارة التنفيذية والمساهمين. يصف علماء الإدارة والاقتصاد هذه الظاهرة بما يعرف بـ “مشكلة الوكالةAgency Problem “ وهي الحالة التي تنشأ عندما تنفصل مصالح الإدارة التنفيذية عن مصالح مُلَّاك الشركة، وأول من حذر من هذه الظاهرة في الشركات الحديثة هما الاقتصاديان “ أدولف بيرل” و “ جاردينر مينز” في كتابهما الشهير “ الشركة الحديثة والملكية الخاصة” الذي صدر عام 1932م. فالمساهمون يمتلكون رأس المال، لكنهم يفوضون إدارة الشركة إلى جهاز تنفيذي يتخذ القرارات نيابة عنهم. ومع مرور الوقت واتساع حجم الشركات وتعقد أعمالها، قد يصبح الجهاز التنفيذي أكثر نفوذًا من الملاك أنفسهم، ويبدأ في صياغة سياسات التعويضات والمكافآت بطريقة تحقق مصالحه الخاصة أكثر مما تحقق مصالح المساهمين. وتتجلى هذه المشكلة بصورة أوضح في الشركات ذات الملكية المتناثرة، حيث لا يملك أي مساهم منفرد القدرة على فرض رقابة فعالة على الإدارة، بينما يجد صغار المساهمين أنفسهم عاجزين عن التأثير في قرارات مجلس الإدارة أو سياسات التعويضات. ومن هنا ظهرت المفارقة الكبرى في بعض الشركات المساهمة: إدارة تتضخم رواتبها عامًا بعد عام، في حين لا يواكب ذلك نمو مماثل في أرباح الشركة أو عوائد المساهمين. تشير التجارب العالمية إلى اتساع الفجوة بين أجور الرؤساء التنفيذيين ومتوسط أجور الموظفين. ففي العديد من الشركات الكبرى بات الرئيس التنفيذي يحصل على أجر يعادل أضعاف مضاعفة لما يتقاضاه الموظف العادي. وقد أثارت هذه الفجوة جدلًا واسعًا، ليس فقط من منظور الكفاءة الاقتصادية وحسن استخدام موارد الشركة، بل أيضًا من زاوية العدالة الاجتماعية. واللافت للنظر أن هذه الزيادات في التعويضات لا ترتبط دائمًا بتحسن الأداء المالي أو بارتفاع القيمة السوقية للشركات. بل شهدت الأسواق العالمية حالات عديدة استمرت فيها المكافآت الضخمة رغم تعثر الشركات أو انخفاض أسعار أسهمها أو تراجع توزيعاتها النقدية. وقد شهدت شركات عالمية معروفة نقاشات حادة حول هذه القضية، بعد أن حصل بعض كبار التنفيذيين على تعويضات استثنائية في الوقت الذي تكبد فيه المساهمون خسائر كبيرة أو تعرضت الشركات لأزمات تشغيلية وإدارية. من المعلوم لدى الجميع أن الهدف الأساسي للشركات المساهمة هو تعظيم قيمة الشركة لمصلحة ملاكها، لكن في بعض الحالات تتحول الشركة تدريجيًا إلى مؤسسة تعمل ــ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ــ لخدمة الإدارة التنفيذية ذاتها. فالرواتب الضخمة، وخطط الحوافز قصيرة الأجل، والامتيازات الإضافية، وعقود إنهاء الخدمة السخية، جميعها قد تؤدي إلى استنزاف جزء معتبر من موارد الشركة، خاصة عندما لا تكون مرتبطة بنتائج فعلية وقابلة للحساب. والأخطر من ذلك أن بعض التنفيذيين قد يميلون إلى اتخاذ قرارات تحقق مكاسب سريعة تؤدي إلى زيادة مكافآتهم السنوية، حتى وإن كانت هذه القرارات على حساب استدامة الشركة ونموها على المدى الطويل. فقد يتم تقليص الإنفاق الاستثماري، أو إرجاء مشاريع استراتيجية، أو التركيز على تحسين النتائج المحاسبية قصيرة الأجل فقط من أجل تحقيق مؤشرات الأداء التي ترتبط بها المكافآت. وهنا يكمن الخلل الحقيقي، لأن الإدارة تصبح معنية بتحسين مكافآتها أكثر من اهتمامها بتحسين أوضاع الشركة ومستقبلها. ومن الأخطاء الشائعة أن تقتصر نظم الحوافز على الرئيس التنفيذي وعدد محدود من كبار المديرين، فالنجاح المؤسسي لا يصنعه شخص واحد، وإنما منظومة إدارية متكاملة، ومن ثم فإن من الأهمية بمكان ربط رواتب ومكافآت الجهاز التنفيذي بأكمله بنتائج الشركة، بدءً من الرئيس التنفيذي وحتى المستويات الإدارية الأدنى. فعندما يشعر الجميع بأن نجاح الشركة سينعكس إيجابَا على مكافآتهم، وأن الإخفاق سيؤثر في امتيازاتهم، تتعزز ثقافة المسؤولية المشتركة، وتختفي تدريجيًا آلية المكافئات المضمونة بغض النظر عن النتائج. وغني عن القول إن هذا النهج يرسخ فكرة أن الإدارة شريك للمساهمين، وليست مجرد جهاز بيروقراطي يتقاضى أجوره بصورة منفصلة عن أداء الشركة. إزاء كل هذا وذاك يصبح السؤال مشروعًا: كيف يمكن لإدارة شركة أن تحصل على مكافآت استثنائية بينما لا يحقق ملاك الشركة أنفسهم عائدًا مجزيًا على استثماراتهم؟ إن هذه المفارقة تُقَوِّض الثقة في الأسواق المالية، وتُضْعِف جاذبية الاستثمار طويل الأجل، وتؤدي إلى شعور متزايد بأن بعض الشركات أصبحت تُدار لمصلحة إداراتها التنفيذية أكثر من إدارتها لمصلحة أصحابها. وأمام تصاعد الانتقادات، اتجهت العديد من الدول إلى تطوير أنظمة الحوكمة وإقرار مجموعة من المعالجات التنظيمية، من أهمها: ربط المكافآت بمؤشرات أداء محددة، وتمكين المساهمين من التصويت على سياسات الأجور، وإنشاء لجان مستقلة للمكافآت، واسترداد المكافآت إذا ثبت أن النتائج التي بنيت عليها كانت مضللة، وتعزيز الإفصاح والشفافية فيما يتعلق برواتب ومكافآت الإدارة العليا. وقد حققت هذه الإجراءات نتائج إيجابية نسبيًا، لكنها لم تُنْهِ المشكلة بصورة كاملة، لأن الخلل الحقيقي يكمن في بنية الحوافز ذاتها. فالحوافز هي المحرك الأساسي للسلوك الإداري. ولذلك فإن أي إصلاح حقيقي ينبغي أن يبدأ من إعادة تصميم نظام التعويضات. وعلى ضوء ذلك ينبغي أن تقوم فلسفة التعويضات على قاعدة بسيطة: لا مكافأة دون قيمة مضافة للمساهمين. وتأسيسًا على المعطيات آنفة الذكر، يمكن اقتراح مجموعة من المبادئ الأساسية: أن يكون الجزء الأكبر من مكافآت الإدارة العليا مرتبطًا بالأداء طويل الأجل، وليس بالنتائج السنوية فقط. وأن يتم ربط المكافآت بمؤشرات محددة مثل نمو الأرباح، والعائد على حقوق المساهمين، وارتفاع القيمة السوقية، والتدفقات النقدية. ويتم العمل على تأجيل جزء من المكافآت لعدة سنوات، بحيث لا يستفيد التنفيذي من نتائج مؤقتة سرعان ما تتلاشى، ومنح الشركة حق استرداد المكافآت إذا ثبت أن النتائج التي استندت إليها كانت مضللة أو غير مستدامة. وبناءً عليه – قد يكون من المناسب - أن يلتزم المرشح لمنصب الرئيس التنفيذي، قبل التعاقد معه، بتقديم دراسة تشخيصية لأوضاع الشركة، وخطة استراتيجية تمتد لأربع سنوات تتضمن أهدافًا ومؤشرات أداء قابلة للقياس. ويُحدد له مستويان من التعويض: الأول راتب أساسي معقول يتناسب مع مؤهلاته العلمية، وخبراته العملية، ومتوسط الأجور في السوق، والثاني حزمة مكافآت مجزية ترتبط مباشرة بمدى نجاحه في تحقيق الأهداف الاستراتيجية المتفق عليها، وبما يحقق مواءمة حقيقية بين مصالح الإدارة التنفيذية ومصالح المساهمين. هناك خيار آخر يستحق التأمل والتعمق، وهو الاستعانة بشركات إدارة متخصصة لتولي إدارة بعض الشركات المساهمة، خصوصًا في القطاعات التي تتطلب خبرات تشغيلية متخصصة. وقد أثبت هذا النموذج نجاحًا في عدد من القطاعات الاقتصادية، مثل الفنادق والمستشفيات والموانئ، والخدمات اللوجستية، وصناديق الاستثمار العقاري. ويقوم النموذج على إبرام عقد بين الشركة المالكة للأصول وشركة إدارة متخصصة، تتولى الإدارة مقابل رسوم محددة، أو نسبة من الإيرادات، أو الأرباح، أو مزيج من الاثنين. ويُعَد النموذج المختلط الأكثر انتشارًا لأنه يربط مصلحة شركة الإدارة بأداء الشركة ونتائجها. ومن أبرز مزايا هذا النموذج: الحد من ظاهرة المدير التنفيذي الفرد ذي النفوذ المطلق، والاستفادة من خبرات مؤسسية متراكمة، وسهولة استبدال الجهة المديرة عند ضعف الأداء، مع إمكانية وضع مؤشرات أداء دقيقة وقابلة للقياس، وتقليص أخطار تضخم الرواتب الفردية والامتيازات الشخصية. إلا أن نجاح هذا النموذج يظل مرهونًا بوجود عقود واضحة، وآليات رقابية صارمة، ومؤشرات أداء محددة، وإفصاح كامل عن العلاقة المالية بين الطرفين. إن مستقبل الشركات المساهمة يعتمد على قدرتها في إعادة التوازن بين السلطة والمسؤولية، وبين المكافأة والمحاسبة، وبين مصالح الإدارة ومصالح الملاك. فالشركات تنشأ في الأساس لتوليد القيمة للمساهمين، وللاقتصاد، والمجتمع. وكل نظام يسمح بتضخم مكافآت الإدارة على حساب أصحاب رأس المال إنما يحمل في داخله بذور فقدان الثقة، وهي أخطر خسارة يمكن أن تواجهها أي سوق مالية. في الختام، أود التأكيد على أن هذه المجادلة ليست اعتراضًا على الرواتب المرتفعة في حد ذاتها، ولا دعوة إلى تقييد آليات السوق أو الانتقاص من حقوق الكفاءات الإدارية التي تعبت كثيرًا في تأهيل نفسها، وتطوير قدراتها، وإنما هي دعوة إلى إعادة التوازن بين المكافأة والمسؤولية، وبين مصالح الإدارة ومصالح المساهمين. فالإدارة الناجحة تستحق أجرًا مجزيًا، بل قد تستحق أجورًا استثنائية عندما تحقق نتائج استثنائية. فالمشكلة ليست في ارتفاع المكافآت، بل في أن تصبح الإدارة التنفيذية شريكًا في الغُنْم دون أن تتحمل نصيبها من الغُرْم.