كتاب (سيرة الأمهات) عملٌ جماعيٌّ حاشد؛ فهو لم يبق مجرد فكرة في ذهن الشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد، ولم يبق الموضوع محصورًا بينها وبين المشاركين عن طريق التراسل، وإنما تَحوَّل إلى مشروعٍ جماعي؛ فشارك الأستاذ عبدالعزيز الخضر في مراجعة وتقييم المشاركات كما أسهم في المراجعة الدكتور سعد البازعي؛ فاتخذ العمل شكلاً جماعيا؛ وقد كتب الخضر مقدمةً ضافيةً للكتاب وفيها يقول: (تُمَثِّل الأُمُّ في وعي الإنسان؛ كلَّ المثُل والقيم والمعاني الجميلة في هذا العالم) وينبه إلى العوامل التي: (جعلت تدوين جزء من حياة الأمهات عملاً ثقافيًّا كبيرًا؛ فالكتابة عن الأمهات هو حديثٌ عن ذاكرتنا الشعبية والاجتماعية؛ فبمرور الوقت قد ننسى من أين بدأنا في مجتمعٍ تَعَرَّض لتحولات متسارعة) ويقول: (فالجيل الذي كان وعيه قبل طفرة النفط، وعايش كل تحولات المجتمع بعد ذلك؛ هو الجيل الذي تلقى الصدمة الحضارية والتغيير وواجه كل تفاصيل وتحديات العصر التربوية والثقافي) ويقول: (هذا العمل يسدُّ نقصًا اجتماعيًّا لم يؤرَّخ له بما يكفي؛ فبعض القضايا وإشكاليات الحاضر وجذورها؛ ربما نجد تفسيره فيما بين سطور هذه الروايات) ويقول: (عندما نوثق حياة الأمهات؛ فإننا نعيد وضع الكثير من التفاصيل التاريخية في مكانها الذي يليق بها؛ لتحليل الكثير من الظواهر الاجتماعية، والتحولات، ومقارنة الماضي بالحاضر؛ شهادات حية توثق لنا جوانب عن تحولات الوطن، وحياة مجتمع من زوايا لم تأخذ حقها من التدوين والنشر) ويقول: (إن فكرة هذا العمل بهذا الشكل المكثَّف الذي يجمع بين الحفر الاجتماعي والإبداع الأدبي؛ هو عملٌ غير مسبوق) إن الكتاب يتكوَّن من المشاركات، واستهلال تحليلي للشاعرة الدكتورة فوزية أبو خالد، ومقدمة مفصَّلة تحليلية للأستاذ عبدالعزيز الخضر. إن كتاب (سيرة الأمهات) يجب أن يقرأه الجميع وخصوصًا من الأجيال التي لم تتعرَّف على حياة الفقر، والمساغب، والمكابدات التي عاشها أهلنا في هذه البيئة الصحراوية المعادية للحياة؛ قبل التحول الجذري الذي طرأ على حياة هذا الوطن؛ لذلك فإن هذا الكتاب يستحق أقصى درجات الحفاوة؛ فالقارئ سيجد فيه ما لا يجده في غيره؛ فهو مليءٌ بالمعاني، زاخرٌ بالدلالات، متنوعُ بالتجارب، متعدد الرؤى. إن الكتاب ليس فقط زاخرًا بنماذج الأمومة، والتجليات الحميمية في الحياة الإنسانية؛ وإنما هو تاريخٌ للمملكة؛ إنه يقدم صورةً صادقةً لا تجدها في مصدر آخر إنه يوضح كيف كنا وكيف صرنا؛ إنه يقدم الماضي متجسدًا في تجارب فردية زاخرة بنبض الحياة؛ وليس مجرد تاريخ بارد؛ اقرأوا مثلاً مقالة المبدع سعد الدوسري وكيف عاشت أسرته في الزمن القريب؛ أو اقرأوا مقالة الشاعر عبدالله الصيخان إن العالم الآن يتحدث عن خط الفقر أما أهل نجد قبل استخراج البترول من باطن الأرض؛ فلم يكن الناس فقط يعيشون تحت خط الفقر وإنما كانوا يعيشون في مستوى لا يعرف العالم له أي خط لأنه تحت الأعماق؛ فاقرأوا مقالة الشاعر علي الدميني على سبيل المثال لتستعيدوا شيئًا عن صورة الحياة في هذه البيئة. وإذا كانت الحياة التي يصفها الدميني؛ بكل بتلك القسوة والعنَتْ؛ رغم أنه يصف الحياة في الباحة وهي ضمن جبال السروات؛ فرغم صعوبة التضاريس الجبلية في الباحة، إلا أنها خضراء ومطيرة؛ فهي جَنَّة قياسًا بصحراء نجد المعادية للحياة. يُقَدِّم الكتاب نماذج عظيمة ومضيئة ورائعة عن كفاح الأمهات، وتضحياتهن العجيبة المذهلة، ويتضمن أروع تجليات الأمومة في الرعاية، والتضحية، والإيثار، والابتكار، وإغداق الحب، والتخلي عن كل شيء من أجل الأولاد؛ ومن أروع وأصدق النماذج؛ (نعيمة) التي مَرَّ ذكرُها. ومثالٌ آخر بالغُ الروعة، عظيمُ الاشعاع؛ إنه مثالٌ نموذجيٌّ واستثنائيٌّ في الأمومة الزاخرة، والتضحية الخارقة؛ إنها (فاطمة بنت جمعة) فقد كتبتْ عنها بنتها الدكتورة نوف العليان تقول: (على الرغم من أن العشرة بين والدتي ووالدي لم تطل أكثر من عامين؛ فقد كان مولدي؛ ثمرةً لهذا الزواج القلق القصير؛ قبل أن تطلب أمي الطلاق لنعيش بسلام بعيدًا عن صراعات عدم التوافق) وتضيف: (كانت أمي في العشرين من عمرها وفي ريعان صباها وجمالها عندما رفضتْ الزواج مرةً أخرى لتتفرغ لتربيتي وأغدقتْ عليَّ من الحب ما يكفي لعشر بنات ولكن فجأةً جاء المرض وسرق من أمي سعادتها التي للتو بدأتْ تَعرف مذاقها؛ وهي تراني أكبُر أمام عينيها على ما تحب وتشتهي من الأدب والعلم) وتضيف: (فعَمَد ذلك الألم اللئيم على كسرها وهي تمر بأوجاع مبرحة لعامين ونصف؛ فتعذَّبت وكانت لا تستطيع الأكل فتضع الممرضات أنبوب الغذاء بأنفها بشق الأنفس كما أن أوردتها تقفَّلت؛ فلم تعد تستجيب إلى المحاليل الطبية) ثم تصاب الأم الفدائية المكافحة؛ بفشل كلوي ثم تصاب بفشل الكبد؛ فماتت وهي في السابعة والأربعين من عمرها وتختم البنت المكلومة بالقول: (كان حزني على فراق أمي عميقًا موجعًا؛ لا وصف لحرقته وناره؛ إلا أنني استعنتُ بما تعلمته من أسطورة صبرها وبالعهد الذي قطعْتُه على نفسي لها بأن لا أفرط في أمنيتها) وتنتهي نوف إلى القول: (فخورة بكوني نوف بنت فاطمة بن جمعة) إن هذه الفاطمة العظيمة تستحق أن تقال فيها القصائد، وأن تُنشد لها الأناشيد، وأن تقدَّم للناس بوصفها النموذج الأمثل في الكفاح، والنجاح، والصبر، الإيثار، والتضحية. ومثلما كتب أحد المشاركين في الكتاب في مقالته عن أمه (صالحة العقيلي) من فَرَسان في جيزان وهو الشاعر عبدالمحسن يوسف: (ثمة من يتباهى بحشد عدد من المناضلين الكبار في العالم في نصوصه، وينسى أن بيننا مناضلين كبارًا غير مرئيين في هذه الحياة يعيشون في الهامش، وأنهم يستحقون أن نكتب عنهم؛ ليلمعوا في الواجهة؛ ننقذ سيرتهم الفاتنة من ريبة الصمت ومكائد الحياة) لكن عبدالمحسن لم يكن فقط معجبًا بأمه وإنما بأبيه أيضا فهو يقول: (أمي وأبي حالتان عَصِيَّتان على الوصف؛ لقد كانا مناضلَين عظيمين؛ قاوما بؤس هذه الحياة وسطوتها؛ بأيد خالية، وبقلوب مليئة بالأمل، وبسلوكٍ مليءٍ بالشرف الكامل الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان في نضاله اليومي؛ من دون أن يسقطا في الوحل؛ في وجه الفقر المدقع) ويضيف: (أمي وأبي رفعا رايةَ نصرٍ عاليةٍ، ولم يستسلما للهزيمة؛ لم يتيحا الفرصة لليأس كي يسحقهما بأقدامه الغليظة؛ كانا مثل موجتين كادحتين، واستطاعا أن ينقذا سنابلهما من الغرق) ويضيف: (لم أر أمي وأبي نائمين قط؛ كانا آخر من ينام وأول من يستيقظ؛ كانا مهمومين بنا وبمشاغلنا وأحلامنا؛ لكن أمي كانت تدفع أحزانها بعيدًا عن طريق الغناء؛ تُغَنِّي بشجنٍ فادح؛ وهي تكنس فناء البيت؛ تُغَني وهي تُضْرم النار في التنور، إنها تغني دومًا كلما كانت مشغولة بعمل. أما أبي فقد كان يؤثر الصمت؛ وكأنه يتعالى على أن يبوح بهَمِّه لأحد) إن الأم والأب يتحملان الكثير من المشاق من أجل أن يرتاح أولادهما؛ فمن حقهما على الأولاد أن يقدروا هذه التضحيات؛ على النحو الذي عبَّر عنه الشاعر عبدالمحسن يوسف؛ هكذا تكون الكتابة عن الأبوين؛ وهكذا يجب أن يكون الموقف من الأم والأب، وهكذا يجب أن تكون رؤيتنا عن الأم والأب؛ فقد عاشا كفاحًا لا يهدأ، وظلا في جهاد لا ينقطع.