قراءة في مجموعة عبد الله ساعد (تقاسيم في ليل السراة)

مفارقات التشكيل وتحوّلات الرؤى وملامح التغيير وأسرار التباين بين القرية والمدينة.

سبق أن قدمت قراءة نقدية لمجموعة الكاتب الموسومة ب(ألحان سروية) التي تلت هذه المجموعة؛ (تقاسيم في ليل السراة) تتصل بالمجموعة التي سبقتها بأكثر من ظاهرة مما يجعلها حلقة في مشروع سردي تبناه عبد الله ساعد يتصل بالبنية الطبيعية وعلاقتها بالظواهر الكونية الكبرى ، والعلاقات الاجتماعية التي تشكّلت في ظلالها تلك النكهة الرومانسيّة التي ألفناها في روايات محمد عبد الحليم عبد اللة وكتاب السرد القصصي و الروائي التي تعبق بنكهة الطبيعة وبراءة الحياة الريفية ، ولكنها ذات خصوصية عرفناها في قصص الجنوبيين من الكتاب في المملكة العربية السعودية الذين تغلغلت كتاباتهم في أغوار البيئة وتلمّست ملامحها في حياة أهلها و عاداتهم وتقاليدهم . وفي كليهما تبدو السراة ذاكرة ووجدان وهويّة اجتماعية و بنية نفسيّة و ثقافيّة وطبيعيّة تُصاغ عبرها اللغة بمعجمها الخاص وأنساقها التركيبية وظلالها الوجدانيّة، وهي مفردات مألوفة في المعجم العملي للبيئة الزراعية ، وتنحو المجموعتان منحى التأصيل لتلك الروح القرويّة وثقافتها ومفارقاتها وعلاقتها بالمدينة ، وتتّصل بأكثر من سبب بذاكرة كاتبها الذاتيّة و الجماعية ، وهذه المجموعة تأتي في سياق الثيمة الرئيسة التي يتبناها الكاتب في إبداعه السردي من ناحية ؛ و في تيار واضح في منجز هذا الفن القصصي في المملكة العربية السعودية ، فالقرية الجنوبية تتحول في هذه الأعمال إلى مايشبه الذاكرة التي تختزن سمات الحياة بأبعادها المختلفة في البيئة السروية تندرج (تقاسيم في ليل السراة) ضمن مشروع عبد الله ساعد القصصي المنشغل بالقرية، الطفولة، الذاكرة، الفقد، ويبدو العنوان (تقاسيم في ليل السراة) ذا علاقة واضحة بالموسيقى، استعارها الكاتب من التقاسيم وهو مصطلح موسيقي مشيراً إلى طبيعة تجربته السردية بخصائصها المتمثلة في الارتجال والنبرات المتقطعة؛ فهو يستعير هذا المصطلح دليلاً على منهجه في السرد وتركيزه على السمة التلقائية و اللقطات العفوية التي تختزن نبض الحياة في البيئة القروية ؛ ولكنها لا تنفصل عن تجربته و نبضه الداخلي ؛ ولكنها تتسق في سياق واحد وخفقات قلب ينبض بالانتماء الوجداني فتأتي نصوصه معبّرة عن هذا الشعور، والليل فضاء التأمل في هدوئه وصفاء سمائه ، وربما معاناة أهله أيضاً ؛ وتنوّع ذلك كله من لون إلى آخر ؛فالليل يجمع بين دلالات مختلفة مفارِقة ؛ بمعنى أنها تتجاوز الزمن الكوني إلى دلالات متعدّدة وحمولات متكاثرة تفصح عنها نصوص المجموعة التي تحمل معنى الغياب و الانتظار و المعاناة . ومن نافلة القول التي تتردّد كثيراً في سياقات التحليل النقدي للنصوص السردية بخاصة الحديث منها عن بطولة المكان ؛ ولكنها – هنا - ذات مغزى بعيد يحتمل آفاقاً من التأويل والمعاني المزدوجة ؛ فالمكان حاضر في مجمل فنون القص ولكنه هنا له خصوصيتة التي تتجاوز المعنى المألوف و التضاريس الجغرافية المعتادة إلى عمق الشعور بالانتماء وصلب الإحساس بالهم الجماعي . ثمة نزعة توثيقية لا تنفصل عن صخب الشعور واضطراب المواقف، ففي قصته (الموازين) لفتات تستعيد حقبة من الزمن حيث الأسواق الموسميّة و ما يسودها من قلق الربح و الخسارة ، والارتحال إلى أغوار النفوس التي تتجلّى في لحظة البيع و الشراء، و أنماط الخلق وعلاقة الأبناء بالآباء، وتنظيم المواقف في سياقها النفسي و الاجتماعي و التاريخي، وتقاطع الأحاسيس بين الإنسان و الحيوان في وصفٍ مدهشٍ للجمل وعلاقته بالنوق واضطرابه ،والتقاط حسّه الغريزي بأنثاه “ ذهبت إلى الجمل فألفيته في حالة صخب وهياج يرغي بشراسة ، ويطفر من شرقيه الزبد وقد أثارته رائحة النوق التي قدموا بها للمجلبة” ص15 وثمة إشارات تتعلق بالمصائر و الأقدار و توقّعات البشر و تبدل الأحوال في تقنيات المفاجأة وتكنيك الصدمة ، كما في قصته (صوت) حيثت تضارب الوقائع مع ظواهر الأحوال ، ويخفت الصوت ويعلو الصمت ، وانسجاماً مع منطق التقاسيم التي تنفصل و تتّصل ؛ ولكنها تحافظ على سلاسة التداعي و منطق التذكّر ، معاناة التجربة الذاتية التي تتراسل مع قسوة الطبيعة وظلام الليل وحراك الذات وهواجسها في رحلة المعاناة و وقع المفاجأة في قصته (عزف الغيوم) حيث ينتهى به المطاف إلى لحظة التنوير “ بينما البرق يشق بضوئه عتمة ليل السراة يقتحم دورها الوادغة وينير زواياها القصية” ص21 وتقنية اللقطة أو المشهد من جماليات نصوصه في هذه المجموعة ؛ حيث يترك للقارىء مهمة التفسير و التأويل و الاستنتاج|؛ بينما يضنُّ بالتفاصيل و يكتفي بإشارات مقتضبة وعلامات غامضة ، يترك أمر تفسيرها للقارىء في ضوء فهمه للعلاقة بين الر جل و المرأة كما في قصته (جدار) وفي تقاسيمه المتقطّعة المتواصلة تتنوع جماليات القص ففي قصته (جليس ) يعمد إلى منهج السرد الوصفي عبر اللوحة (البورتريه) التي فيها يرسم مشهداً لشخصية منفردة يستنطقها القارىء عبر ملامحها الظاهرة وتجوال نظراتها وانعكاسات ما في أعماقها على ملامحها الظاهرة ، في تتبّع وصفيٍّ يتلامح مع السرد عبر تقرّي قسمات الوجه واستنطاق العيون التي تتجول مترقّبة ما يشفي غليلها و يحقّق أمنيتها ؛ امرأة في ملهى ليلي بعيداً عن براءة الطبيعة وعفوية القروي ، نقلة شاسعة من عالم إلى آخر مدهشة ومرهقة تستطق أفق التلقي “ غادرت المكان كما أتت تتأبط خيباتها” ص37 ويمضي الكاتب في تقاسيمه من مشهد إلى آخر يستطلع نبض قلب شخصياته التي هي جزء من تجربته ،ومتحسِّساً خفقات قلب الأطفال و الكبار في تلك البيئة التي يستطلع ملامحها من المتاجر إلى الأزقة و الشوارع و المقاهي الشعبية إلى البيوت ، يتحسّس ما تنطق به الأمكنة في تفاعلها مع ساكنيها و الأماكن التي تنبض بالحياة الى المشافي التي تتأرجح فيها المصائر بين التعافي و الغياب ؛ ففي قصته (نعش ) يستعرض ملامح الجدة فيرسم قسمات وجهها ويرصد نبضات قلبها وهي توزع نظراتها و حكاياتها على أحفادها ،وما انتهت إليه من غياب مفاجىء ، رصد دقيق له أبعاده النفسيّة ورؤاه العاطفيّة وتقصيه لمختلف ألوان السلوك و العلائق بين الأجيال . أما القصة المركزية التي سميت بعنوانها المجموعة (تقاسيم في ليل السراة ) فهي تحمل معاني رمزيّة وتوحي بهواجس داخليّة و تطلّعات بعيدة المدى ؛ فترقي بالطائرة التي تحلّق في الآفاق ويتتبّعها السارد الذي يتماهى مع الكاتب، وكأنها نجمة متوهّجة على حد تعبيره؛ فهي تحمل معاني متكاثرة تتّصل بالطموح وسلطان العادة وخفق الأمنيات واستكناه الغيب المتعلق بالمستقبل ورمزيات أخرى، تفتح آفاق التأويل ولعل الجملة الختامية تسلط الضوء على لحظة التنوير “ ثم أنكسر خائباً أحتضن سواد الليل ، يحيط بي صمت ثقيل تعبث بداخلي بواعث الشجن” أما فيما يتعلّق بقصصه القصيرة جدا التي اختتم بمجموعة منها نصوصه السرديّة فتتمثل جمالياته في صدمة المفارقة كما في قصته (كفن) فهي تدور حول الميت الذي لم يجدوا ما يكفنونه به ، فجعلوا من ثوبه كفناً له و حين أرادوا نزع جيوبه وجدوا هذا الثوب بلا جيوب . وكذلك الحال فيما يتعلق بقصته (الرغيف) إذ كانت الصدمة المفارقة في التصور المتناقض بين رؤية المجموعة لسلوك الموظّف المتهم بالتزلف و رغيف الخبز (رؤية فلسفية) اختزل فيها الكاتب الحقيقة وردّ بها على الاتهام ، كذلك (تحوّل) حيث تفرض المتغيرات حقائقها؛ فالانتقال من القرية إلى المدينة جعل التعلق بشجرة التفاح بما ترمز إليه من خصائص المدينة بديلاً لشجرة اللوز رمز القرية . تحفل المجموعة بسرديات منتقاة من القرية والقرية،حيث تبدو في القصص القروية = كما أشارت دراسة للعامري للمجموعة - يغلب صوت السارد القريب من الطفولة والذاكرة، بينما في النصوص التي يكون مسرحها المدينة يبدو السرد أكثر برودة وحياداً فالمدينة في مجموعة عبد الله ساعد هذه تبدو وجها مناقضاً للقرية يتضح ذلك في قصصه التي أشار فيها إلى ملامح السلوك التي تتناقض مع تقاليد القرية ؛ أما القرية فهي ليست طبيعة بريئةً ولا مرآة وضيئة بالمطلق ولكنها تحمل خصائص فطرية وعلاقات خاصة تنظم العلاقة بين الآباء و الأبناء و الأجداد والأحفاد أما فيما يتعلق باللغة فهي ليست شاعرية بالمطلق ؛ ولكنها تحمل ملامح اللغة القروية في متنها الفصيح ؛فشاعريتها تكمن في إفصاحها عن وجدانية عميقة وانتماء خالص ورمزية قريبة وخصوصية مشهودة تحمل نكهة خاصة .