نشر ملحق اليمامة (شرفات) حوارا قصيرا مع الياباني نوبوأكي نوتوهارا. يذكر في هذا الحوار أن الدكتور يحيى بن جنيد رشح له رواية لحسين علي حسين لترجمتها إلى اليابانية. ثم يفسر سبب إعجابه بالرواية بما مفاده أنها تتناول وضع المرأة في المملكة، وأنه يحب الأعمال الروائية التي تشرح المجتمع. فالرواية عنده نافذة على عوالم مستقلة. وكل صفحة مهمة كأسماء الشوارع، والعادات والتقاليد، والأذان، والطقوس الدينية. كل هذا كما يرى السيد تنوتاهارا (نحن بحاجة إلى التعرف عليها) ولذلك فهو سيترجم الرواية. تكشف الحاجة التي يتحدث عنها نوتوهارا عن تصور لوظيفة الأدب المترجم. لا يقول السيد نوتوهارا نحن بحاجة إلى قراءة الرواية السعودية لأنها جميلة، ولا لأنها تضيف إلى الأدب العالمي، ولا لأنها تخلق تجربة إنسانية مختلفة، بل يحتاج إلى الرواية السعودية لكي تعرّفه وتعرف الآخرين على المجتمع السعودي. وهكذا تتحول الرواية إلى أداة لسد نقص معرفي عند القارئ الأجنبي، وليس إلى عمل أدبي يستحق القراءة. أنا مثلا أحب كاواباتا، وقرأت تقريبا كل ما تُرجم له إلى اللغة العربية لا لأنه عرّفني بالمجتمع الياباني، بل لأنه عرّفني بالإنسان. لم أقرأه لأعرف كيف يعيش اليابانيون، ولا ماذا يأكلون، ولا كيف يحتفلون، ولا ما هي طقوسهم اليومية. قرأته وأحببت ما يكتبه لأن شخصياته تكشف هشاشة الوجود الإنساني، ولأن جماله لم يكن في وصف اليابان، بل في تحويل التجربة الفردية إلى تجربة كونية. لم أخرج من رواياته خبيرا في المجتمع الياباني، لكنني خرجت قارئا أكثر حساسية للألم، والوحدة، والانتظار، والحنين، والزمن. وهذا هو ما تفعله الرواية؛ فهي لا تضيف معلومات إلى رصيدنا، بل تغير طريقة إحساسنا بالعالم. لو كان هدفي معرفة اليابان، ما كنت قرأت كاواباتا أصلا. كنت سأقرأ كتابا في تاريخ اليابان، أو دراسة في علم الاجتماع، أو بحثا في الأنثروبولوجيا، وربما أسافر إليها وأعيش بين أهلها. قرأت رواياته وأنا لا أبحث عن اليابان، بل عن الأدب. وما وجدته لم يكن مجتمعا، بل بشرا؛ ولا عادات، بل مصائر؛ ولا طقوسا، بل وعيا إنسانيا يتجاوز المحلية. إن ترجمة الأدب من أجل التعريف بالمجتمع تنقض الفكرة التي جعلت من أدب كاواباتا أدبا عالميا. فالمجتمع الياباني لم يتخلل اللغات بل صوته الأدبي. وما يبقي في ذاكرة القراء ليس أسماء الشوارع، ولا الطقوس؛ ما يبقى هو الجمال الذي لا يمكن ترجمته إلى معلومات. وفي هذا السياق يظهر الفرق بين الأدب بشكل عام والرواية بشكل خاص وبين الأنثروبولوجيا. فالأنثروبولوجيا تجعل الفرد طريقا إلى المجتمع، أما الرواية فتعيد المجتمع إلى الفرد. تبحث الأنثروبولوجيا عن القاعدة، وتبحث الرواية عن الاستثناء؛ تريد الأنثروبولوجيا أن تعرف كيف يعيش الناس، وتريد الرواية أن تعرف كيف يعيش هذا الإنسان بالذات. ولذلك لم يفز كاواباتا بجائزة نوبل لأنه شرح اليابان، بل لأنه جعل من أكثر التجارب المحلية خصوصية تجربةً يستطيع أي إنسان أن يعيشها. تفترض حاجة السيد نوتوهارا إلى الرواية السعودية أن مهمتها هي تعريف الآخرين على المجتمع السعودي. وهو افتراض يخلط بين وظيفة الأدب ووظيفة الأنثروبولوجيا. فالأنثروبولوجي يسافر إلى أي مجتمع آخر وأن يقيم فيه ليدرس عاداته، ومؤسساته، وطقوسه، وأنماط عيشه، لأنه يدرس المجتمع بوصفه موضوعا للمعرفة. وإذا كانت غاية السيد نوتاهارا أن يتعرف على المجتمع السعودي، فهو لا يحتاج إلى الرواية السعودية أصلا. بإمكانه أن يبتعد عن المجمعات السكنية المغلقة (الكمباوند)، وعن مكاتب الإدارات وأن يزور الأسواق الشعبية، أو يجلس في المقاهي، أو يختلط بالناس في المجالس، أو يدور في الأحياء، أو يسافر بين مدن المملكة وقراها. ولأنني من منطقة الباحة، فأنا أعرف أن هذه المنطقة وحدها تضم أكثر من ألف وخمسمائة قرية. وهذه كلها مصادر مباشرة أكثر ثراء، لمعرفة المجتمع من أي عمل روائي. لكن السيد نوتاهارا اختار الرواية ليتعرف المجتمع السعودي، وهو يعرف أن الرواية ليست الطريق إلى المجتمع، بل هي الطريق إلى الإنسان. وإذا ما أراد معرفة المجتمع، فعليه بكتب التاريخ، وعلم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والعمل الميداني، فهي الأكثر دقة والأغزر مادة. أما الرواية فلا تُقرأ لأنها تختصر المجتمع، بل لأنها تقدم ما يعجز المجتمع ذاته عن تقديمه. فالمجتمع لا يكشف إلا ظاهره؛ أما الرواية فتكشف باطنه. يعرض المجتمع السلوك، أما الرواية فتكشف الدوافع. يقدم المجتمع الوقائع، أما الرواية فتصنع المعنى. يجعلنا المجتمع يجعلنا نرى ما يفعله أفراده، أما الرواية فتجعلنا نعيش ما يشعرون به. لا تنافس الرواية الأنثروبولوجيا في وصف المجتمع، بل تتجاوزها إلى ما لا تستطيع بلوغه؛ أعني التجربة الداخلية للإنسان. إن شارعا كشارع الأعشى في العاصمة الرياض مثلا مر به آلاف الناس، ولم يصبح أدبا لأنه شارع سعودي، وإنما لأنه في رواية (شارع الأعشى). فالشارع الأدبي مختلف؛ فقد يتحول إلى ذاكرة، أو خوف، أو انتظار، أو حب، أو خسارة إلخ وقل مثل ذلك عن البيوت. فهي ليست مهمة لأنها تعكس نمطا معماريا، بل لأنها تحمل روح السكن. وكذلك الطعام ليس وثيقة عن المطبخ المحلي، بل لحظة تجمع أو فراق أو حنين. فالأدب لا ينقل الأشياء كما هي، بل يعيد خلقها داخل التجربة الإنسانية. لا تختصر الرواية المجتمع، بل تفككه، وتنقذه من عموميته وتحوله إلى أفراد، ومن إحصاءاته إلى مصائر، ومن عاداته إلى وعي. وما يفعله الروائي السعودي المفترض هو، في جوهره، مقاومة لفكرة المجتمع بوصفها كتلة متجانسة. فهو لا يكتب السعوديين بل يكتب هذا الرجل أو ذاك ، وهذه المرأة أو تلك، وهذا الطفل، وهذه الشيخوخة، وهذه الرغبة، وهذا الفشل. وقل مثل ذلك من رد الجماعي إلى الفردي، والمجرد إلى المعيش. إن من يقرأ الرواية السعودية ليعرف المجتمع السعودي فهو كمن ينظر إلى لوحة فنية ليعرف التركيب الكيميائي للألوان. قد يخرج ببعض المعلومات، لكنه يكون قد أخطأ موضوع اللوحة نفسه. فالرواية لا تطلب من قارئها أن يدرس المجتمع، بل أن يعيش تجربة لا يمكن أن يمنحه إياها المجتمع مباشرة. لا تُقرأ الرواية لتعويض العمل الميداني الذي يقوم به عالم الأنثروبولوجيا، بل لأنها تفتح أفقا لا تصل إليه الملاحظة المباشرة. لذلك من يرد أن يعرف المجتمع فليذهب إلى المجتمع، ومن يرد أن يقرأ الرواية فليذهب إلى الأدب. أما الخلط بين الوظيفتين فهو تعامل مع الرواية كما لو كانت تقريرا ميدانيا مكتوبا بلغة جميلة. وهنا لا تُظلم الرواية فحسب، بل تُظلم الأنثروبولوجيا معا؛ فلكل منهما موضوعه ومنهجه وأدواته. ليس المجتمع بطل الرواية، بل خلفية يتشكل فوقها مصير الأفراد. ولهذا فإن القارئ الحقيقي للرواية لا يخرج منها وقد تعرف على المجتمع بقدر ما خرج وقد تعرف شخصياته. إنه لا يتذكر نظام القرابة، أو البنية الاجتماعية، أو تفاصيل الطقوس بقدر ما يتذكر امرأةً أحبها البطل، أو شيخا هزمته الشيخوخة، أو طفلا اكتشف العالم لأول مرة. ما يبقى في الذاكرة من قراءة الرواية ليس المجتمع، بل الإنسان. هذه هي فرادة الأدب؛ فهو لا يقدم الجماعة، بل الفرد، ولا يشرح البنى، بل يكشف المصائر. وحين تتحول الرواية إلى وسيلة لمعرفة المجتمع، فإن شخصيات الرواية تفقد فرديتها، وتصبح أمثلةً على ثقافة أو ممثلين لمجتمع. فلا يعود البطل إنسانا له وجوده الخاص، بل يصبح السعودي بأل التعريف. وهكذا يُختزل الفرد إلى نموذج ثقافي، بينما يقوم الأدب، بحكم طبيعته، على مقاومة هذا الاختزال. فالشخصية الروائية لا تُخلق لتكون نموذجا سوسيولوجيا، بل لتكون وجودا فريدا لا يُختزل في أي تصنيف، ويند عن سياق ضيق. لا تجعلنا الرواية الجيدة إبداعيا نعرف المجتمع، بل الغالب هي الرواية الرديئة. الرواية الجيدة تجعلنا ننسى أننا نبحث عن المجتمع أصلا. فنحن لا نقرأ الحرب والسلام لكي نتعرف على المجتمع الروسي، ولا نقرأ مدام بوفاري لكي ندرس المجتمع الفرنسي، ولا نقرأ مئة عام من العزلة لكي نفهم المجتمع الكولومبي. نحن نقرأها لأننا نتعرف على أفراد يعيشون مصائر إنسانية تتجاوز حدود مجتمعاتهم. فالأدب يبدأ بالفرد، وقد يقودنا منه إلى المجتمع، لكنه لا يبدأ بالمجتمع لينتهي إلى الفرد. ولهذا فإن التركيز على الحاجة تعكس حاجة الباحث، وليس حاجة القارئ. فالقارئ لا يبحث في الرواية عن مجتمع، بل عن تجربة إنسانية جديدة. وإذا خرج منها وهو لا يعرف إلا العادات والطقوس والأسماء، فقد عرف المجتمع لكنه خسر الأدب. تكمن خطورة مفهوم (الحاجة) لترجمة الرواية لكي نعرف المجتمع في أنه يمنح القراءة طابعا نفعيا. ففي إطار هذا الطابع لا تُقرأ لأنها أدب، بل لأنها تقدم معرفة عن الآخر. وهذا يعني أن قيمتها مشروطة بما تمنحه من معلومات؛ عن المرأة، والعادات، والأذان، والطقوس، والشوارع. وكلما زادت قدرتها على كشف المجتمع، بدت أكثر أهمية. أما سؤال الأسلوب، والبناء، والإيقاع، والخيال، فيتراجع إلى الهامش، لأنه لا يجيب عن هذه الحاجة المعرفية المباشرة. بهذا المعنى، لا تعود الحاجة موجهة إلى الأدب، بل إلى المجتمع الذي يقف خلف الأدب. وبالتالي فالقارئ لا يحتاج الرواية بوصفها رواية، وإنما يحتاجها بوصفها طريقا مختصرا إلى معرفة ثقافة بعيدة. وهنا يُختزل النص إلى وسيط، وتُختزل الترجمة إلى خدمة تعريفية، ويُختزل الكاتب إلى شاهد ثقافي على جماعته. إنها حاجة لا ترى في الأدب إلا ما يمكن استعماله خارجه. أما الأخطر فهو أن هذه الحاجة تبدو بريئة لأنها تتحدث بلغة الانفتاح على الآخر. لكنها في العمق قد تفرض على الأدب السعودي وظيفة تمثيلية قسرية، وهي أن عليه أن يشرح مجتمعه، وأن يكشف عاداته، وأن يجيب عن فضول القارئ الأجنبي. وبدل أن يُعامل الأدب السعودي بوصفه أدبا، يُطلب منه أن يكون دليلا إلى السعودية. وبدل أن يُسأل: ماذا صنع النص باللغة؟ يُسأل: ماذا كشف لنا عن المجتمع؟ قد تكون الحاجة إلى معرفة الآخر مشروعة في مجال الدراسات الاجتماعية أو الرحلات أو الأنثروبولوجيا، لكنها تصبح إشكالية حين تُفرض على الرواية بوصفها معيارا لقيمتها. فالأدب لا يُقرأ لأنه يلبي حاجة معرفية فقط، بل لحاجة أعمق: الحاجة إلى الخيال، وإلى الشكل، وإلى التجربة، وإلى رؤية العالم.