لم يعد السؤال اليوم: ماذا نقرأ؟ بل: كيف وصل هذا الكتاب إلى أيدينا؟ ومن الذي اقترحه علينا أول مرة؟ قبل سنوات كانت رحلة اكتشاف الكتب تبدأ من مكتبة، أو من حديث مع صديق، أو من مقال لناقد ثقافي، أو من توصية أستاذ ، أما اليوم، فقد أصبحت شاشة الهاتف هي بوابة العبور الأولى إلى العالم الثقافي، وأصبحت الخوارزمية شريكًا صامتًا في تشكيل خياراتنا، تقترح علينا كتابًا، وتخفي آخر، وتدفعنا إلى بودكاست بعينه، بينما تمر أعمال أخرى دون أن تترك أثرًا في وعينا! لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل أصبحت وسيطًا يعيد ترتيبها.. فما يظهر في واجهة التطبيق ليس بالضرورة الأجود، وإنما الأكثر توافقًا مع أنماط استخدامنا السابقة ، وهنا يحدث تحول هادئ، لكنه عميق؛ إذ تنتقل الذائقة من مساحة الاكتشاف الحر إلى مساحة التوصية المحسوبة. ولعل هذا يفسر صعود ظواهر ثقافية جديدة خلال السنوات الأخيرة ، فقد أصبح البودكاست أحد أهم منافذ المعرفة، واستطاع كثير من صناع المحتوى أن يعرّفوا الجمهور بكتب ومفكرين لم تكن أسماؤهم متداولة خارج الأوساط الثقافية ، كما أسهمت معارض الكتاب العربية، وفي مقدمتها معرض الرياض الدولي للكتاب، في توسيع دائرة القراءة، لكن تأثير المنصات الرقمية ظل حاضرًا حتى داخل أروقة المعارض؛ إذ يتجه كثير من الزوار إلى شراء الكتب التي شاهدوها في مقطع قصير أو سمعوا عنها في حلقة بودكاست أو وجدوا اسمها يتكرر في قوائم الأكثر مبيعًا. ولا يمكن إنكار أن لهذا التحول جانبًا إيجابيًا ، فالخوارزميات قرّبت المعرفة من جمهور واسع، وأعادت الكتاب إلى دائرة الاهتمام، وفتحت المجال أمام أصوات جديدة لم تكن تجد طريقها إلى القارئ عبر القنوات التقليدية ، كما أن صناع المحتوى الثقافي أسهموا في تبسيط الأفكار، وربط القراءة بالحياة اليومية، وجعل الثقافة أقل نخبوية وأكثر حضورًا في الفضاء العام. لكن الوجه الآخر للصورة يستحق التأمل. فالخوارزمية لا تقيس القيمة الفكرية، بل تقيس التفاعل ، وهي لا تسأل: هل هذا الكتاب أكثر عمقًا؟ بل: هل سيحظى بعدد أكبر من المشاهدات والمشاركات؟ وبهذا المعنى، قد تتحول الشهرة إلى معيار بديل للجودة، ويصبح الانتشار قرينة على القيمة، مع أن تاريخ الثقافة يخبرنا بأن كثيرًا من الأعمال الخالدة لم تكن الأكثر رواجًا عند صدورها. ومن هنا برزت ظاهرة الكتب الأكثر مبيعًا بوصفها مؤشرًا مؤثرًا في اختيارات القراء ، صحيح أن هذه القوائم تعكس اهتمام الجمهور، لكنها لا تمثل بالضرورة حكمًا نقديًا على جودة العمل ، فالكتاب الذي يحقق مبيعات مرتفعة قد يكون ممتازًا، وقد يكون مجرد مستفيد من حملة تسويقية ناجحة أو من موجة اهتمام عابرة ، والخطر لا يكمن في القوائم نفسها، بل في التعامل معها وكأنها معيار وحيد يستحق الثقة. وهل يعني ذلك أن الخوارزمية أصبحت الناقد الثقافي الجديد؟ ربما يكون هذا الوصف مبالغًا فيه ، فالناقد يقرأ ويحلل ويقارن ويضع العمل في سياقه الفكري والجمالي، بينما تقوم الخوارزمية بمهمة مختلفة تمامًا؛ إنها ترصد السلوك، وتتوقع الرغبات، وتقترح ما يُحتمل أن يجذب الانتباه ، إنها بارعة في معرفة ما نميل إليه، لكنها ليست مؤهلة للحكم على قيمته. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة التقنية، بل في كيفية استخدامها دون أن نتخلى عن استقلالنا الفكري. فالخوارزمية يمكن أن تكون دليلًا إلى كتاب جديد، لكنها لا ينبغي أن تكون البديل عن فضول القارئ، ولا عن رأي الناقد، ولا عن متعة الاكتشاف التي تبدأ أحيانًا من كتاب لم يوصِ به أحد!وفي زمن تتسابق فيه المنصات على جذب انتباهنا، يبقى السؤال الأهم: هل ما نقرأه اليوم هو ما اخترناه فعلًا… أم ما اختارته الخوارزمية لنا؟